أطلقت منصة اللاجئين في مصر ورقة سياسات جديدة بعنوان “من الخلل التشريعي في القانون إلى الهيكلة الأمنية في اللائحة.. كيف يعيد قرار رئيس مجلس الوزراء ولائحته التنفيذية هيكلة اللجوء في مصر أمنيًّا“، تقدم تقييمًا قانونيًّا وحقوقيًّا للائحة التنفيذية الصادرة بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1568 لسنة 2026، التي تنظم تنفيذ قانون لجوء الأجانب رقم 164 لسنة 2024، مطالبة بإرجاء دخول قانون لجوء الأجانب ولائحته التنفيذية حيز التطبيق الفعلي إلى حين معالجة الإشكاليات القانونية والإجرائية التي أُثيرت بشأنهما.
وتخلص الورقة إلى أن اللائحة التنفيذية، بدلًا من معالجة أوجه القصور التي شابت القانون، كرّست معظم إشكالياته، بل وسّعت من آثارها، بما يعيد تشكيل منظومة اللجوء في مصر على نحو يضعف استقلال الجهة المختصة، ويقوّض الضمانات الإجرائية، ويهدد المراكز القانونية القائمة، ويقيّد الوصول الفعلي إلى الحماية الدولية، في تعارض مع الدستور المصري والتزامات مصر الدولية، وعلى رأسها مبدأ عدم الإعادة القسرية.
وتؤكد الورقة أن وجود إطار وطني للجوء ليس محل اعتراض في حد ذاته، بل إن نجاح أي نظام وطني يُقاس بقدرته على توفير حماية فعالة ومستقلة وعادلة للأشخاص الفارين من الاضطهاد والنزاعات، مع تحقيق التوازن بين اعتبارات الأمن القومي والالتزامات الحقوقية. غير أن المنظومة الجديدة، بحسب التحليل، تميل بصورة واضحة إلى تغليب الاعتبارات الأمنية والإدارية على فلسفة الحماية.
وترصد الورقة أن إعداد القانون ولائحته التنفيذية جرى في ظل غياب شبه كامل للمشاورات العامة، واستبعاد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومنظمات المجتمع المدني والخبراء القانونيين واللاجئين أنفسهم من عملية الصياغة، رغم التأخير الطويل في إصدار اللائحة التنفيذية، وهو ما أضعف شرعية عملية الإصلاح التشريعي وقلل من فرص معالجة أوجه القصور التي نبهت إليها جهات حقوقية ودولية.
وتوضح الورقة أن من أبرز الإشكاليات التي تثيرها اللائحة التنفيذية منح اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين سلطات تقديرية واسعة استنادًا إلى مفاهيم فضفاضة وغير منضبطة مثل “الأمن القومي” و”الظروف الاستثنائية” و”قيم المجتمع”، دون وضع تعريفات أو معايير واضحة تحدد كيفية تطبيقها، بما يفتح المجال لتفسيرات متباينة ويقوض مبدأ اليقين القانوني.
كما تحذر الورقة من أن البنية المؤسسية الجديدة تفتقر إلى ضمانات الاستقلال، إذ أُنشئت اللجنة الدائمة داخل السلطة التنفيذية، مع تمثيل بارز لوزارة الداخلية، ومن دون ضمانات كافية لاستقلالها الفني أو الوظيفي، أو وجود خبرات مستقلة في مجال الحماية الدولية. كذلك تجمع اللجنة بين سلطات التسجيل، وجمع البيانات، والفصل في الطلبات، والرقابة، بما يثير مخاوف جدية بشأن حياد عملية اتخاذ القرار وغياب الفصل الوظيفي.
وتولي الورقة اهتمامًا خاصًّا بالمرحلة الانتقالية من نظام إدارة اللجوء الذي كانت تديره المفوضية السامية إلى النظام الوطني الجديد، معتبرة أن اللائحة لم تقدم ضمانات كافية لاستمرار الحماية القانونية للاجئين وطالبي اللجوء المسجلين بالفعل، كما أنها لم توضح بصورة حاسمة كيفية انتقال الملفات والمراكز القانونية، الأمر الذي قد يعرّض آلاف الأشخاص لفراغ قانوني أو لصعوبات في الوصول إلى الخدمات والحماية خلال فترة الانتقال.
وتشير الورقة أيضًا إلى أن اللائحة تفرض قيودًا إجرائية قد تتحول عمليًّا إلى عوائق تحول دون الوصول إلى الحماية، من بينها فرض مهلة قصيرة على بعض طالبي اللجوء لتقديم طلباتهم، واعتبار الطلب مسحوبًا في حالات متعددة مرتبطة بالإجراءات الإدارية، مع غياب ضمانات كافية تراعي أوضاع الفئات الأكثر هشاشة.
وفيما يتعلق بالحماية من الإعادة القسرية، تلفت الورقة إلى أن القانون واللائحة يقصران الحماية الصريحة من الترحيل أو التسليم على من مُنحوا صفة اللاجئ بالفعل، دون توفير حماية واضحة لطالبي اللجوء خلال مراحل فحص الطلب أو التظلم أو الطعن، بما يخلق فجوة قانونية قد تعرض أشخاصًا، محتاجين إلى الحماية، لخطر الإبعاد قبل الفصل النهائي في طلباتهم.
كما تنتقد الورقة ضعف الضمانات الإجرائية، إذ لا تكفل اللائحة الحق في المساعدة القانونية باعتباره حقًّا أصيلًا، ولا تنظم بصورة كافية حق حضور المحامي في أثناء المقابلات الشخصية أو الاطلاع على الملف، فضلًا عن غياب نصوص تضمن أن يؤدي الطعن القضائي إلى وقف تنفيذ قرارات الإبعاد، وهو ما يحد من فعالية الحق في التقاضي.
وتتوقف الورقة كذلك عند التدابير المقيدة للحرية التي تجيزها اللائحة، مثل فرض الإقامة في نطاق جغرافي معين أو الالتزام بالحضور الدوري، معتبرة أنها تُمنح للإدارة بسلطات واسعة ومن دون ضوابط أو رقابة قضائية كافية، بما قد يمس الحرية الشخصية وحرية التنقل.
وتختتم الورقة بتأكيد أن نجاح الانتقال إلى نظام لجوء وطني يتطلب إعادة النظر في عدد من المواد الجوهرية الواردة في اللائحة التنفيذية، بما يضمن استقلال الجهة المختصة، واستمرار الحماية القانونية القائمة، وتعزيز الضمانات الإجرائية، وحماية جميع طالبي اللجوء من الإعادة القسرية، بما يحقق الامتثال للدستور المصري والالتزامات الدولية، ويضمن بناء منظومة لجوء تقوم على الحقوق وسيادة القانون، لا على منطق الضبط الأمني والإداري.
توصي “منصة اللاجئين في مصر” بإرجاء دخول قانون لجوء الأجانب ولائحته التنفيذية حيّز التطبيق الفعلي إلى حين معالجة الإشكاليات القانونية والإجرائية المثارة، من خلال فتح مشاورات شاملة مع المجتمع المدني ومجتمعات اللاجئين والخبراء، بما يضمن مواءمة المنظومة مع الالتزامات الدستورية والدولية، وإتاحة الوقت الكافي لتجهيز البنية المؤسسية والتنفيذية دون الإخلال بضمانات الحماية.
كما تدعو المنصة إلى ضمان استقلال منظومة اللجوء عن أجهزة الضبط والهجرة، وتأمين استمرارية المراكز القانونية خلال المرحلة الانتقالية دون أي فراغ في الحماية، وتعزيز الضمانات الإجرائية بما يشمل الحق في الطعن الفعّال والمساعدة القانونية ووقف قرارات الإبعاد لحين الفصل النهائي.
وتؤكد كذلك ضرورة إخضاع إدارة اللجوء لمعايير صارمة من الشفافية والمساءلة وحماية البيانات، مع حظر مشاركة المعلومات بما يعرّض الأفراد للخطر، والتكريس الصريح لمبدأ عدم الإعادة القسرية وضمان عدم تنفيذ أي قرارات ترحيل قبل استنفاد جميع سبل الطعن.
للاطلاع على ورقة السياسات كاملة بصيغة PDF يرجى الضغط على الرابط هنا.
Skip to content