القاهرة، 10 فبراير 2026
تعرب “منصّة اللاجئين في مصر” عن بالغ الأسى والغضب إزاء وفاة ملتمس اللجوء السوداني/ مبارك قمر الدين مجزوب عبد الله، البالغ من العمر 67 عامًا، داخل قسم شرطة الشروق بمحافظة القاهرة، فجر الخميس 5 فبراير/شباط 2026، بعد تسعة أيام من احتجازه على خلفية حملة أمنية موسعة استهدفت اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين في مصر خلال الأشهر الماضية، وزادت حدّتها مطلع العام الجاري.
وتؤكد المنصّة أن وفاة شخص مسنّ، يحمل صفة ملتمس لجوء ومسجّل لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، داخل مكان احتجاز رسمي، تمثّل انتهاكًا جسيمًا للحق في الحياة والسلامة الجسدية، وخرقًا لالتزامات مصر الدستورية في المادة 55 التي نصت على أنه “كل من يُقبض عليه، أو يُحبس، أو تُقيَّد حريته تجب معاملته بما يحفظ عليه كرامته، ولا يجوز تعذيبه، ولا ترهيبه، ولا إكراهه، ولا إيذاؤه بدنيًّا أو معنويًّا، ولا يكون حجزه، أو حبسه إلا في أماكن مخصصة لذلك لائقة إنسانيًّا وصحيًّا”.
كما أن الواقعة تمثِّل خرقًا لالتزامات مصر الدولية في معاملة جميع الأشخاص المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية تحفظ كرامتهم. ما يجعلها واقعة تحفل بسلسلة من الانتهاكات الجسيمة لالتزامات مصر الدستورية والقانونية والدولية، وفي ضوء المعطيات الراهنة، فإن ما حدث يستوجب فتح تحقيق عاجل وشفاف، يُراعَى فيه إعلان الحقائق والنتائج للرأي العام ومجتمعات اللاجئين.
المغفور له/ مبارك قمر الدين كان من مواليد الخرطوم في يناير/كانون الثاني 1959، ويحمل بطاقة ملتمس لجوء صادرة عن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بمصر في أكتوبر/تشرين الأول 2025 وصالحة حتى إبريل/نيسان 2027، الأمر الذي يقرّر له صفة قانونية واضحة وهي ملتمس لجوء، خاضع لحماية دولية، ويحظر تعريضه للتوقيف أو الاحتجاز التعسفي لمجرّد وضعه كمهاجر أو لاجئ، وفقًا لقواعد قانون لجوء الأجانب 164 لسنة 2024 مبدأ عدم الإعادة القسرية وحظر التمييز.
وبحسب ما وثّقته “منصّة اللاجئين في مصر”، فقد تم توقيفه بتاريخ 26 يناير 2026 في أثناء قيامه بشراء احتياجات المنزل -وهو نمط متكرر لاستهداف اللاجئين- دون تفسير أو توضيح المبررات القانونية لأسباب استيقافه، في مخالفة صريحة للمادة 54 من الدستور المصري التي تشترط صدور أمر قضائي مسبَّب لتقييد الحرية، وإبلاغ الشخص بأسباب القبض عليه وتمكينه من الاتصال بذويه ومحاميه فورًا.
اطلعت “منصة اللاجئين في مصر” على مستندات وشهادات تفيد بأن الفقيد قد تم توقيفه وهو يحمل ما يثبت تقدّمه بطلب لاستخراج تصريح إقامة، متضمنًا رقم تسجيل مرجعي لدى وزارة الخارجية، وموعدًا محددًا لاستخراج التصريح في 2 سبتمبر/أيلول 2027، الأمر الذي ينفي توافر أي مبرر قانوني للتعامل معه كـ”شخص مخالف لشروط الإقامة” أو استهدافه بسبب وضعيته الإدارية.
وتفيد الشهادات المتقاطعة التي وثقتها “منصة اللاجئين في مصر” بأن احتجاز ملتمس اللجوء/ مبارك قمر الدين تم في حجز قسم شرطة الشروق في ظروف غير إنسانية من حيث الاكتظاظ الشديد، وغياب أماكن ملائمة للنوم، وضعف التهوية، وسط حرمانه والمحتجزين الآخرين من الرعاية الطبية الفورية والمنتظمة، رغم ظهور مؤشرات واضحة على تدهور حالته الصحية خلال فترة احتجازه، كما تفيد الشهادات بأن الأسرة لم تُخطر فورًا بتدهور حالته الصحية، ولم تُمنح فرصة فعلية لمتابعة حالته أو نقله في الوقت المناسب إلى مستشفى مناسب، وهو ما يؤكد حصول إهمال جسيم، في انتهاك صريح للمادتين 7 و10 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية اللتين تحظران المعاملة القاسية واللاإنسانية وتُلزمان الدولة بمعاملة جميع المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية تحترم كرامتهم.
ولا يمكن النظر إلى هذه الواقعة باعتبارها حادثًا فرديًّا معزولًا؛ إذ تأتي في سياق سياسة اوسع تنتهجا الحكومة المصرية ضد اللاجىئن وثّقتها “منصّة اللاجئين في مصر” في تقريرها “لا ملاذٌ آمنًا.. حملة أمنية غير مسبوقة ضد اللاجئين في مصر“، الذي رصد حملة توقيفات واحتجازات واسعة بحق اللاجئين ملتمسي اللجوء، بمن فيهم حاملو/ات بطاقات لجوء أو إقامات قيد التجديد، في ظروف احتجاز متدهورة تفتقر إلى الرعاية الطبية، وتعرّض الأشخاص الأكثر هشاشة لخطر بالغ على حياتهم.في إطار أيضا مع ما كشفه تقرير “انهيار منظومة حماية اللاجئين في مصر” الصادر بالشراكة مع المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، الذي وثّق تفكك منظومة حماية اللاجئين، وتزايد حالات التوقيف والاحتجاز التعسفي، وتجاهل مبدأ عدم الإعادة القسرية والضمانات الأساسية للحق في الحرية والحياة، في ظل تقاعس وتضييق على مفوضية اللاجئين للقيام بواجبات الحماية الملزمة بها، وصمت مطبق إزاء الانتهاكات الواضحة لقانون اللجوء، في إهمال واضح لولايتها.
وتُذكِّر “منصّة اللاجئين في مصر” بأن وفاة ملتمس اللجوء/ مبارك قمر الدين، ليست الحالة الأولى التي يفقد فيها مواطن سوداني حياته داخل مقرات وأماكن احتجاز مصرية في ظل ظروف احتجاز قاسية وإهمال طبي جسيم؛ -ولن تكون الأخيرة إذا استمرت السلطات المصرية في اتباع السياسات غير القانونية نفسها- إذ سبق للمنصّة أن وثّقت في أغسطس 2025 واقعة وفاة المواطن السوداني/ مجاهد عادل محمد أحمد داخل قسم شرطة ثالث أكتوبر (قسم الأهرام) بمحافظة الجيزة، بعد احتجازه لمدة 21 يومًا في ظروف غير إنسانية وحرمانه من الرعاية الطبية اللازمة رغم معاناته من مضاعفات مرض السكري، وذلك على خلفية توقيفه تعسفيًّا بدعوى عدم امتلاكه تصريح إقامة ساري المفعول، فضلًا عن توثيق المنصّة حالة وفاة أخرى -على الأقل- في مقرات احتجاز بمدينة أسوان.
انطلاقًا مما سبق، تؤكد “منصّة اللاجئين في مصر” أن على النيابة العامة، بصفتها صاحبة الولاية الأصيلة في تحريك الدعوى الجنائية ومراقبة أماكن الاحتجاز، أن تتحرك فورًا ودون إبطاء، استنادًا إلى واجبها في إنفاذ الدستور والقانون والاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها مصر، لفتح تحقيق جنائي جاد ومستقل وشفاف في واقعة وفاة ملتمس اللجوء/ مبارك قمر الدين مجزوب عبد الله داخل قسم شرطة الشروق. ويجب أن يشمل هذا التحقيق على وجه الخصوص:
- الأساس القانوني لتوقيفه، وبيان مدى التزام جهة الضبط بأحكام المادة 54 من الدستور والمواد 37 و38 و41 من قانون الإجراءات الجنائية بشأن ضرورة وجود أمر قضائي مسبب، واحترام ضمانات الإخطار والتمكين من الاتصال بمحامٍ وذوي المحتجز.
- مشروعية استمرار احتجازه طوال هذه المدة، ومدى توافر شروط وضوابط الحبس الاحتياطي أو أي شكل آخر من أشكال تقييد الحرية، في ضوء القاعدة الدستورية بأن الحرية الشخصية حق طبيعي والأصل في الإنسان البراءة، وأن أي تقييد لها هو استثناء يفسَّر تفسيرًا ضيقًا.
- حقيقة ما تعرض له من إهمال طبي، وتقييم ظروف الاحتجاز المادية والصحية وفقًا لمعيار “المعاملة الإنسانية واحترام الكرامة” الوارد في المادة 10 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وأحكام الدستور في الباب الثالث الخاص بالحقوق والحريات والواجبات العامة التي تحظر التعذيب أو الترهيب أو المعاملة الحاطَّة بالكرامة.
- تحديد المسؤولية الجنائية والإدارية عن أي تقصير أو انتهاك، مع اتخاذ الإجراءات التأديبية والجنائية اللازمة بحق كل من يثبت تورطه في الإهمال أو سوء المعاملة أو تعطيل تقديم الرعاية الطبية، أو إخفاء المعلومات عن الأسرة.
كما تطالب المنصّةُ النيابةَ العامة المصرية بفتح تحقيقٍ مستقل وعاجل في الانتهاكات المنسوبة إلى وزارة الداخلية، على خلفية حملات احتجاز تعسفي وعمليات قبض عشوائية استهدفت مهاجرين ولاجئين.
وتشير الشهادات التي اطّلعت عليها المنصة إلى تنفيذ حملات أمنية منظّمة استهدفت أماكن تجمع اللاجئين، وأسفرت عن القبض على عشرات الأشخاص، لا سيما من حاملي الجنسيتين السودانية والسورية، بمن فيهم أشخاص مسجّلون لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
وتمثل هذه الممارسات انتهاكًا جسيمًا للحق في الحرية والأمان الشخصي المكفول بموجب المادتين 54 و55 من الدستور المصري، والمادتين 9 و14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فضلًا عن مخالفتها لالتزامات مصر بموجب قانون اللجوء رقم 164 لسنة 2024 ومبدأ عدم الإعادة القسرية، خاصة فيما يتعلق باللاجئين القادمين من مناطق نزاع مسلح.
وتشدد المنصّة على أن دور النيابة العامة لا يقتصر على التحقيق في واقعة الوفاة، بل يمتد بحكم القانون إلى مراقبة تنفيذ قرارات الإفراج الصادرة بحق اللاجئين وملتمسي اللجوء المحتجزين تعسفيًّا، وضمان الإفراج الفوري عن كل من صدرت بحقهم قرارات إخلاء سبيل، بما في ذلك:
- مراجعة أوضاع جميع اللاجئين وملتمسي اللجوء المحتجزين حاليًّا داخل أقسام الشرطة وأماكن الاحتجاز غير المخصصة، والتأكد من وجود سند قانوني واضح ومحدد لمدة احتجازهم، واتساق هذا السند مع ضوابط الحبس الاحتياطي المنصوص عليها في الدستور وقانون الإجراءات الجنائية.
- الأمر بالإفراج الفوري عن كل من ثبت احتجازه لمجرد وضعه كلاجئ أو ملتمس لجوء أو بسبب أوضاع إقامته الإدارية، دون اتهام جنائي جدي أو حكم قضائي واجب التنفيذ، اتساقًا مع القاعدة الدستورية القائلة بأن الحرية الشخصية هي الأصل وأي قيد عليها هو استثناء يجب تبريره قضائيًّا.
- إلزام جهات الضبط بتنفيذ قرارات الإفراج الصادرة عن النيابة أو القضاء دون إبطاء أو مماطلة، والتحقيق الفوري مع أي مسؤول يمتنع عن التنفيذ أو يتقاعس عنه، باعتبار ذلك يشكل جريمة يعاقب عليها القانون ويقوّض مبدأ سيادة القانون والفصل بين السلطات.
- تمكين المحامين وأسر المحتجزين من الوصول إلى موكليهم وذويهم، والحصول على معلومات دقيقة ومحدّثة عن أماكن احتجازهم، وضمان عدم نقلهم أو إخفائهم بشكل يعوق الرقابة القانونية والقضائية، اتساقًا مع ضمانات المحاكمة العادلة والحق في الدفاع.
- ضمان تمكين المحتجزين/ات وذويهم/هن من الوصول العادل إلى إجراءات التقاضي على أي قرارات إدارية صادرة بحقهم/هن، دون تضييق أو تهديد.
كما نطالب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بالاضطلاع بدورها في حماية ورعاية اللاجئين/ات وملتمسي/ات اللجوء المسجلين لديها، وتوفير الدعم القانوني لهم، وتأكيد استظْلال كل من يحمل أوراقها بظلِّها القانوني.
إن استمرار احتجاز اللاجئين وملتمسي اللجوء خارج إطار الضوابط الدستورية والقانونية، وتدهور أوضاع الاحتجاز على النحو الموثّق في التقارير الحقوقية، يحوّل أماكن الاحتجاز إلى بيئات عالية الخطورة على الحياة والسلامة الجسدية والنفسية، ويجعل من كل يوم يمرّ على المحتجزين/ات تعسفيًّا تهديدًا حقيقيًّا يؤدي إلى مزيد من الوفيات والإصابات غير القابلة للتدارك، في انتهاك مباشر للمادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والالتزامات الواقعة على عاتق مصر في حماية الحق في الحياة، وفقًا للمادة 18 من الدستور المصري التي تنص على أنه “يُجرَّم الامتناع عن تقديم العلاج بأشكاله المختلفة لكل إنسان فى حالات الطوارئ أو الخطر على الحياة”.
وبناءً عليه، تحمّل “منصّة اللاجئين في مصر” وزارة الداخلية والجهات الأمنية المختصة المسؤولية القانونية والسياسية عن سلامة اللاجئين وملتمسي اللجوء في أماكن الاحتجاز، وتحمّل النيابة العامة مسؤولية الرقابة الفعلية على هذه الأماكن، وضمان تنفيذ قرارات الإفراج والتحقيق في أي وفاة أو إصابة تقع داخلها، بوصفها التزامًا دستوريًّا ودوليًّا لا خيارًا تقديريًّا.
وتدعو المنصّة النيابة العامة إلى إعلان نتائج التحقيق في وفاة ملتمس اللجوء/ مبارك قمر الدين مجزوب عبد الله للرأي العام، وضمان مشاركة الأسرة والمحامين في إجراءات كشف ملابسات التوقيف والاحتجاز والوفاة، وتوفير سبل الانتصاف الفعّال لهم من تعويضات ومساءلة جنائية وإدارية حقيقية، بما ينسجم مع التزامات مصر بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في ضمان الإنصاف والتعويض لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
كما تدعو إلى الوقف الفوري للحملة الأمنية القائمة ضد اللاجئين وملتمسي اللجوء، وإعادة النظر جذريًّا في سياسات الاحتجاز، بما ينسجم مع الدستور المصري والقانون الدولي للاجئين وحقوق الإنسان، ويعيد تأكيد أن حماية حياة وكرامة كل إنسان، بمن فيهم اللاجئون وملتمسو اللجوء، هي التزام قانوني وأخلاقي على عاتق الدولة لا يجوز التراجع عنه.
Skip to content