تُعرب “منصة اللاجئين في مصر” عن بالغ قلقها إزاء الإجراءات التي شرعت السلطات الفرنسية في اتخاذها بإعلان نيتها ترحيل الناشط الفلسطيني-المصري رامي شعث، في خطوة تعكس تصاعدًا مقلقًا في سياسات تضييق مساحة حرية الرأي والتعبير في أوروبا، وتجريم التضامن مع الشعب الفلسطيني.
في يناير/كانون الثاني 2022، وصل رامي شعث الى مطار رواسي في باريس بعد أكثر من 900 يوم قضاها رهن الحبس الاحتياطي في مصر على خلفية اتهامات ذات طابع سياسي قبل أن يفرج عنه بتنازله القسري عن جنسيته المصرية. اليوم، وبعد أقل من أربع سنوات، يواجه شعث خطر الترحيل من فرنسا بذريعة تشكيله “تهديدًا خطيرًا للنظام العام“، في مفارقة تكشف هشاشة الالتزام الأوروبي المعلن بحماية المدافعين عن حقوق الإنسان وضمانة حرية الرأي والتعبير وسلامة المساحات المدنية.
رامي شعث الناشط الفلسطيني-المصري، وأحد مؤسسي حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) في مصر، لم يمارس سوى حقه المشروع في التعبير السلمي عن موافقه السياسية، والدعوة إلى المساءلة القانونية والاقتصادية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وقد استأنف نشاطه المدني في فرنسا، وكان من بين الأصوات التي طالبت بوقف إطلاق النار في غزة ووقف تصدير الأسلحة، وهي مطالب تتسق مع القانون الدولي الإنساني.
في يوليو/تموز 2019، اعتُقل شعث في مصر بتهمة “مساعدة جماعة إرهابية في تحقيق أغراضها”، وهي التهمة المطاطة ذاتها التي لطالما استخدمتها السلطات المصرية لملاحقة كل صوت معارض أو ناشط حقوقي. وفي أبريل/نيسان 2020، أُدرج اسمه على قوائم الإرهاب التي تُعد واحدة من أدوات التنكيل بالمعارضين المصريين. وخلال سنوات اعتقاله الثلاث، قادت زوجته الفرنسية سيلين ليبرون شعث حملة مضنية من باريس للمطالبة بالإفراج عنه، في حين رحّلتها السلطات المصرية بعد وقت قصير من اعتقاله.
وفي يناير 2022، أُطلق سراحه أخيرًا، لكن اشترطت السلطات المصرية تنازله عن جنسيته المصرية مسبقًا للإفراج عنه، لإجباره على البقاء خارج مصر.
استقر شعث في فرنسا، واستأنف نشاطه الحقوقي والسياسي المشروع، وكان من المبادرين إلى تأسيس منظمة “Urgence Palestine” عقب السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وما أعقبه من إبادة جماعية في غزة. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2023، شارك في تظاهرة بباريس، نادى فيها بوقف فوري لإطلاق النار، وطالب بفرض العقوبات وحظر تصدير الأسلحة إلى إسرائيل. على إثر تلك المظاهرة، أُحيل إلى تحقيق بتهمة “تمجيد الإرهاب”، غير أن النيابة العامة الفرنسية حفظت القضية في أكتوبر 2024 لانعدام الأدلة.
اتضح بعد وقت، أن محفظة الاتهامات الرسمية جاءت بتهم مختلفة عن التحقيق الجنائي، فقد أخطرت مقاطعة نانتير شعث في مايو/أيار 2026 نيتها فتح إجراءات الترحيل بحقه، مستندةً إلى ما وصفته بأن لديه صِلَات “بشخصيات من القضية الفلسطينية في فرنسا” ومشاركته في تأسيس منظمات تضامنية. ومن المقرر أن يمثل أمام لجنة الترحيل في الحادي والعشرين من مايو 2026، مع إمكانية إصدار قرار بطرده وتنفيذه فور انتهاء الجلسة.
لا يمكن اعتبار قضية رامي شعث حالةً فردية معزولة، بل هي حلقة في سلسلة انتهاكات في معظم دول أوروبا وتكشف عن نهج ممنهج يُجرّم التضامن مع الشعب الفلسطيني ويُحوّل التعبير السلمي للناشطين إلى تهديدات أمنية، بعد أن عجزت الحكومات عن الرد على مطالبهم المشروعة بأدوات الحجة والقانون. ففي إيطاليا، وثّقت “منصة اللاجئين في مصر” ومنظمات شريكة قضية الشيخ محمد شاهين، المواطن المصري الذي أمضى نحو عشرين عامًا في مدينة تورينو حيث عُرف إمامًا وسيطًا في مبادرات الحوار بين الأديان.
في نوفمبر 2025، ألغت وزارة الداخلية الإيطالية تصريح إقامته الأوروبي طويل الأجل، مستندةً إلى مشاركته في تظاهرة تضامنية مع فلسطين في مايو 2025. نُقل شاهين إلى مركز الاحتجاز من أجل الترحيل (CPR) في كالتانيسيتا، بعيدًا عن عائلته ومجتمعه ومحاميه، ورُفض طلبه للحماية الدولية في مراجعة وصفتها المنظمات الحقوقية بأنها “مستعجلة بشكل مريب”. في ظل تصنيف إيطاليا لمصر ضمن “دول المنشأ الآمنة”، وهو تصنيف يتجاهل سجل التعذيب الممنهج والاعتقال التعسفي الموثق على نطاق واسع في مصر، قبل أن يقرر القضاء الإيطالي إلغاء الاحتجاز الإداري بحقه.
إن الخيط الرابط بين القضيتين واحد، وهو المشاركة في التظاهر السلمي، والتعبير عن مواقف سياسية مشروعة بحق شعب يتعرض لإبادة موثقة بتقارير من الأمم المتحدة، وتُحوَّل هذه المشاركة إلى سند قانوني للاضطهاد. وفي كلتا الحالتين، أُعيد توظيف خطاب “الأمن الوطني” و”الخطر الاجتماعي”.
نية السلطات الفرنسية ترحيل الناشط رامي شعث هي حلقة جديدة من التوجه المقلق لتقييد الفضاء المدني في أوروبا تحت ذرائع أمنية وسياسية، رامي شعث صوت مدني بارز في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية، وترحيله المحتمل يطرح تساؤلات جدية حول التزام فرنسا، باعتبارها دولة ديمقراطية، بحماية حرية التعبير والعمل السياسي السلمي، كما أن استخدام أدوات قانونية أو إدارية -مثل الحرمان من تصريح الإقامة أو الإبعاد- لاستهداف ناشطين غير أوروبيين بسبب مواقفهم السياسية يمثل سابقة خطيرة، وفي حالة شعث تُعدُّ إعادة لانتهاك حقوقه مثلما فعلت السلطات المصرية بحبسه و حرمانه من حقه في الجنسية المصرية، خاصة في سياق أوروبي يُفترض أنه يوفر الحماية للمدافعين عن حقوق الإنسان، لا أن يضيق عليهم.
مثل هذه القرارات لا يمكن فصلها عن مناخ أوسع من التضييق على الحريات، وتزايد الضغوط على الأصوات المنتقدة للسياسات الإسرائيلية في أوروبا، مثل ما حدث مع الشيخ محمد شاهين في إيطاليا سابقًا، وحماية النشطاء ليست مسألة تضامن فحسب، بل اختبار حقيقي لمصداقية الدول التي تدّعي الدفاع عن القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.
تتضامن “منصة اللاجئين في مصر” مع رامي شعث وتُعلن دعمها غير المشروط لنضاله المدني السلمي، وتُطالب السلطات الفرنسية بما يلي:
- وقف إجراءات الترحيل فورًا والتراجع عن قرار مقاطعة نانتير.
- الاعتراف بأن نشاط رامي شعث يندرج ضمن الحق المكفول في حرية التعبير والتجمع السلمي وفقًا للمواثيق الدولية والأوروبية لحقوق الإنسان.
- الكف عن توظيف قوانين الأمن الوطني في مواجهة أصوات التضامن مع الشعب الفلسطيني، وهو توظيف يُشكّل في حد ذاته انتهاكًا للمبادئ التي تتبنّاها فرنسا اسمًا وشعارًا.
Skip to content