تعيش مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور في السودان، واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية والعسكرية قسوة في القرن الحادي والعشرين. فقد خضعت المدينة إلى أكثر من 550 يومًا من الحصار الخانق الذي فرضته قوات الدعم السريع، قبل اقتحام المدينة يوم الاثنين 26 أكتوبر/تشرين الأول، في ظل صمت دولي مطبق وانهيار شبه كامل للخدمات الإنسانية والطبية.
وفقًا للمقاطع المصورة التي يتم تداولها، فإن قوات الدعم السريع التي اقتحمت المدينة نفَّذت عمليات إعدام جماعية بحق مدنيين حاولوا الفرار يومي 26 و27 أكتوبر، وتلقّى مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان تقارير متعددة ومقلقة تفيد بأن قوات الدعم السريع تنفذ فظائع، بعد سيطرتها على أجزاء واسعة من مدينة الفاشر المحاصرة في شمال دارفور ومدينة بارا بولاية شمال كردفان خلال الأيام الأخيرة، من بينها إعدام خمسة رجال (دون أي إطار قانوني للإعدام) من قِبَل مقاتلي قوات الدعم السريع لمحاولتهم إدخال إمدادات غذائية إلى المدينة، بحسب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.
وذكرت شبكة أطباء السودان أن قوات الدعم السريع اختطفت 6 من الكوادر الطبية بالفاشر كانوا يقدمون خدماتهم للمرضى والمصابين طيلة فترة حصار الفاشر، وطالبت ذويهم بفدية تبلغ 100 مليون جنيه سوداني لكل منهم.
وفقًا لتقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، يعيش في الفاشر أكثر من 260 ألف مدني محاصرين بلا ممرات آمنة، يعانون من انعدام تام للأمن الغذائي. وتشير البيانات الأخيرة إلى أن نحو 38% من الأطفال دون الخامسة يعانون من سوء تغذية حاد، وأن واحدًا من كل ثلاثة، مصاب بأمراض ناتجة عن نقص المياه والغذاء والرعاية الطبية. كما حذّرت اليونيسف (UNICEF) من أنّ آلاف الأطفال في الفاشر يعانون من سوء تغذية حاد ومضاعفات طبية مميتة بعد أكثر من 500 يوم من الحصار، مشيرةً إلى أن “كل يوم يمرّ دون وصول المساعدات يقرّب مئات الأطفال من خطر الموت جوعًا أو مرضًا”.
منذ بدء الحصار، وثّقت منظمات دولية منها هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية عشرات الهجمات بالطائرات المسيّرة والمدفعية، استهدفت ملاجئ ومراكز نزوح ومدارس ومساجد داخل المدينة. وخلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة وحدها، قُتل أكثر من 90 مدنيًّا بينهم نساء وأطفال في غارات متتابعة على أحياء المطار والزهور والوادي. كما أفادت تقارير ميدانية بأن المستشفى الرئيسي في الفاشر خرج عن الخدمة بعد استهدافه أكثر من مرة، وتوقفه عن استقبال الجرحى بسبب نفاد الوقود والمستلزمات الطبية.
إن منع دخول المساعدات الإنسانية، وقطع الطرق المؤدية إلى المدينة، يُعدّ جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية وفق القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف. وقد حذرت الأمم المتحدة في تقرير صدر في 2 أكتوبر 2025 من “خطر وقوع فظائع جماعية” في الفاشر، في ظل استمرار الحصار واستهداف المدنيين على أساس انتمائهم القبلي.
إزاء هذا الوضع الإنساني غير المقبول، فإن منصة اللاجئين في مصر تطالب المجتمع الدولي والحكومات والمنظمات المعنية بالآتي:
- وقف فوري للأعمال العدائية وحماية المدنيين، وخاصة الأطفال.
- وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق إلى جميع السكان المتضررين.
- على المجتمع الدولي العمل على فتح ممرات إنسانية آمنة وإقامة ممر جوي لتأمين الغذاء والدواء للسكان المحاصرين.
- توفير الحماية الكاملة للنازحين، داخل الفاشر، وأيضًا النازحين منها إلى مناطق مجاورة، وتوفير الاحتياجات اللازمة لهم.
- توفير الحماية للعاملين في المجال الإنساني، والمقار العاملة في تقديم الخدمات الإنسانية والصحية.
- ندعو الدول المجاورة، وخاصة مصر وتشاد وجنوب السودان، إلى الضلوع بالتزاماتها الدولية والإنسانية، باستقبال النازحين من الفاشر وتوفير الاحتياجات الأساسية لهم، والرعاية الطبية والنفسية، والسماح بدخولهم دون قيود.
- توفير تمويل عاجل ومرن لتوسيع نطاق التدخلات المنقذة للحياة.
- نحث الاتحاد الإفريقي ومحكمة العدل الدولية على الشروع في تحقيقات فورية حول جرائم الحرب والانتهاكات ذات الطابع العرقي في دارفور، ومساءلة المتورطين عن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين، والجهات التي تقدم لهم الدعم.
- نناشد وسائل الإعلام العالمية تسليط الضوء على الإبادة الصامتة في الفاشر وتوثيق المجازر اليومية.
- نشدّد على ضرورة إعلان الفاشر منطقة كوارث إنسانية، وتفعيل آليات الحماية الدولية العاجلة للمدنيين وفق مبدأ “المسؤولية عن الحماية” (R2P).
Skip to content