حصري: مصر تكثف ترحيل اللاجئين السودانيين دون معارضة تذكر من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.. “إنه جهد منهجي لإلغاء الحماية القانونية الممنوحة لهم”

صورة مركبة تُظهر لاجئين سودانيين يعبرون الحدود إلى مصر على متن شاحنة صغيرة، إلى جانب وثائق مسربة ومحجوبة عن الترحيلات التي أمرت بها الدولة.
صورة مركبة تُظهر لاجئين سودانيين يعبرون الحدود إلى مصر على متن شاحنة صغيرة، إلى جانب وثائق مسربة ومحجوبة عن الترحيلات التي أمرت بها الدولة.

This post is also available in: الإنجليزية

حول هذا التحقيق: في إبريل/نيسان 2024، كشفت منظمة “ذا نيو هيومانيتاريان” و”منصة اللاجئين في مصر” أن الحكومة المصرية تقوم بعمليات ترحيل غير قانونية واسعة النطاق للاجئين السودانيين إلى منطقة حرب، باستخدام شبكة من مواقع الاحتجاز السرية. يوثق هذا التحقيق المُتابِع، الذي يستند إلى أكثر من عام من التقارير الإضافية، كيف اشتدت حملة الترحيل وامتدت إلى المدن، ويفحص الانتقادات المتزايدة لردّ المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين المحدود والصامت. 

القاهرة

تسارعت وتيرة ترحيل اللاجئين السودانيين الفارين من أكبر أزمة إنسانية في العالم بحثًا عن الأمان في مصر المجاورة خلال الاثني عشر شهرًا الماضية، مما أدى إلى تصعيد حملة القمع التي كشفت عنها تحقيقات مشتركة أجرتها منظمة “ذا نيو هيومانيتاريان” و”منصة اللاجئين في مصر” العام الماضي.

يقول النقاد إن وكالة الأمم المتحدة للاجئين (UNHCR) -وهي المنظمة الدولية الرئيسية في مصر المكلفة بحماية اللاجئين والدفاع عنهم- فشلت في مواجهة الحملة القمعية بشكل مستمر، بحجة أنها تعطي الأولوية للحفاظ على العلاقات مع الحكومة على حساب الدفاع عن حقوق اللاجئين.

قال عثمان يعقوب منصور، الذي غادر دارفور إلى مصر منذ أكثر من عقد من الزمن، وأسَّس لاحقًا مدرسة الرؤية الإفريقية للتعليم السوداني، وهي مبادرة شعبية في القاهرة تقدم دروسًا للأطفال والكبار السودانيين، بمن فيهم اللاجئون: “[قوات الأمن] هددتني وزوجتي وحتى عائلتي عبر الهاتف وفي الشارع”.

وقال منصور إن السلطات داهمت مقره الصيف الماضي، واحتجزته بتهم مزيفة بأنه علَّم الطلاب أن الأراضي المتنازع عليها بين السودان ومصر تابعة للسودان. وقال إنه اتصل بالمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، لكنه تلقى ردًا مفاده “استمر في التنقل”، إذ أجبرَتْه التهديدات على الانتقال من مكان إلى آخر في أنحاء العاصمة.

عبَرَ نحو 1.5 مليون سوداني إلى مصر منذ اندلاع الحرب المستمرة منذ أكثر من عامين ونصف بين الجيش الوطني وقوات الدعم السريع شبه العسكرية. لكن اللاجئين، من بين 11.5 مليون نازح بسبب الصراع الذي لا يزال يتصاعد، واجهوا اتهامات من قبل السياسيين في خضم أزمة اقتصادية متفاقمة.

كشفت التحقيق الذي أجري العام الماضي أن عمليات ترحيل غير قانونية واسعة النطاق لآلاف السودانيين كانت تجري سرًّا، في انتهاك لاتفاقيات اللاجئين الدولية التي صدَّقت عليها مصر منذ فترة طويلة. وكشفت التحقيقات عن مواقع المرافق المُزْرية التي كانت الأجهزة الأمنية تحتجز فيها الأشخاص.

تكشف المتابعة الاستقصائية -استنادًا إلى مواد حديثة تم الحصول عليها من منظمات اللاجئين المحلية، ووثائق مسرَّبة من الحكومة المصرية، وشهادات عشرات اللاجئين والمحامين التي تم جمعها على مدى أكثر من عام- عن تصعيد إضافي في حملة الترحيل.

يتم الآن احتجاز وترحيل عدد أكبر بكثير من اللاجئين، إذ تقوم الأجهزة الأمنية بعمليات تمشيط وتوقيف ليس فقط في المناطق الحدودية التي يدخل منها الناس إلى البلاد، بل أيضًا في عمق المدن الكبرى. كما استهدفت السلطات المبادرات التي يقودها اللاجئون، بما في ذلك إغلاق عشرات المدارس التي يديرها سودانيون.

تأتي هذه الحملة القمعية في الوقت الذي تعهَّد فيه الاتحاد الأوروبي بتقديم مبالغ كبيرة لمصر مقابل كبح الهجرة إلى أوروبا، في اتفاق يُشبه صفقات مماثلة مع دول عبور أخرى، ويحمل مخاطر جعل الاتحاد شريكًا في الانتهاكات التي ترتكبها الحكومة المصرية، التي لم ترد على طلب للتعليق.

تتلقى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تمويلًا كبيرًا من الحكومات الأوروبية، وهو ما يقول النقاد إنه يخلق ضغطًا سياسيًّا على الوكالة لتجنب انتقاد مصر علنًا لعمليات الترحيل وغيرها من السياسات التي تزيد من ضعف اللاجئين وتحد من قدرة الأمم المتحدة على دعمهم.

واتهمت مصادر أخرى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بالتعرض لضغوط مباشرة من قبل أجهزة الأمن المصرية. وقالت إن عمليات الوكالة تعرضت لضغوط دفعت بعض الموظفين إلى إخفاء شكاوى اللاجئين أو منع تصعيد تقارير الاحتجاز والترحيل.

وقال المتحدث باسم المفوضية بابار بالوش إن المانحين ضروريون لاستمرار أنشطة الوكالة، لكن عملها “يسترشد بالمبادئ الأساسية للإنسانية والحياد والاستقلالية”. وأضاف أن المفوضية “تتواصل بانتظام” مع السلطات المصرية لطرح المخاوف بشأن الانتهاكات التي تؤثر في اللاجئين.

وقال بالوش: “نظرًا للصراع الوحشي المستمر في السودان، تعتقد المفوضية أن الأشخاص الذين أُجبروا على الفرار من السودان يحتاجون، على الأرجح، إلى الحماية الدولية، وبالتالي لا ينبغي إعادتهم قسرًا إلى بلدهم”.

“رقم قياسي” في عمليات الترحيل

حتى قبل الحرب الحالية وأزمة النزوح، كان السودانيون وغيرهم من اللاجئين في مصر يواجهون عمليات ترحيل وانتهاكات أخرى من قِبَل أجهزة الأمن، بما في ذلك الاحتجاز، وفي بعض الحالات، القتل.


اقرأ المزيد: احتجاجات اللاجئين وإجراءات الأمن الصارمة

على مدى عقدين من الزمن، قوبلت احتجاجات اللاجئين في مصر بمداهمات الشرطة والاعتقال التعسفي والتهم الجنائية والاختفاء القسري والترحيل. فيما يلي جدول زمني لبعض أسوأ الحوادث:

  • 2005: نظم نحو 3 آلاف لاجئ سوداني اعتصامًا أمام مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في القاهرة. قامت الشرطة المصرية بإخلاء المخيم بعنف، ما أسفر عن مقتل العشرات واعتقال أو اختفاء العديد منهم.
  • 2019: تجمع عشرات اللاجئين الإريتريين في مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مدينة 6 أكتوبر للمطالبة باتخاذ إجراءات بشأن طول فترات الانتظار للتسجيل ومخاطر الترحيل. أطلقت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع واعتقلت العشرات. تمت لاحقًا محاكمة خمسة ممثلين عن المجتمع المحلي، وأُبلغت العائلات بعدم اتخاذ المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أي إجراء.
  • 2020: بعد مقتل محمد حسن البالغ من العمر 12 عامًا، نظم اللاجئون السودانيون تجمعات تعزية واحتجاجات صغيرة. داهمت قوات الأمن الموقعيْن، مستخدمة الغاز المسيل للدموع واعتقلت العشرات من أفراد المجتمع المحلي. اعتُقل والد الطفل وتعرض للضرب واختفى قسرًا لمدة يومين قبل أن يُفرج عنه. واحتُجز عشرة من قادة المجتمع السوداني – الذين استدعاهم محامٍ تعاقدت معه المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى مركز الشرطة – وأدينوا لاحقًا بتهمة قيادة احتجاجات قالوا إنهم لم يشاركوا فيها.
  • 2023: اختُطف اللاجئ التشادي والمدافع عن الحقوق جاسن ألفريد كاموس بعد أن نشرت منظمته منشورًا على وسائل التواصل الاجتماعي حول مظاهرة مخطط لها خارج مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. واحتُجز في الحبس الانفرادي قبل ترحيله قسرًا إلى رواندا.

ومع ذلك، بدأت عمليات الترحيل في الارتفاع في أواخر عام 2023، قبل اتفاق مصر والاتحاد الأوروبي، ووسط زيادة في أعداد الوافدين السودانيين. ثم تسارع هذا الاتجاه بعد اعتماد أول قانون وطني للجوء في مصر العام الماضي. ورغم أن القانون لم يُنفّذ بالكامل بعد، إلا أن مصادر قالت إنه شجّع السلطات من خلال منحها صلاحيات واسعة لإلغاء الحماية الممنوحة للاجئين لأسباب غامضة مثل احترام القيم المصرية غير المحددة.

من الصعب تحديد الأرقام الدقيقة لعمليات الترحيل، لأن الحكومة لا تسمح للأمم المتحدة والجهات الإنسانية الأخرى بالوصول إلى مراكز الاحتجاز والمناطق الحدودية، ولأنها لا تشارك أيًّا من بياناتها. ومع ذلك، تشير المعطيات التي رصدتها المنظمات المحلية الداعمة للاجئين إلى حجم الحملة القمعية.

في الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام، أبلغ الفاعلون المحليون في مجال الحماية، بما في ذلك منظمات بارزة مدافعة عن اللاجئين عن “رقم قياسي” في عمليات الترحيل.

في المجموع، تم توثيق أكثر من 850 حالة ترحيل لمهاجرين معظمهم من السودان، أي أكثر من نصف العدد الذي المُسجَّل في عام 2024 بأكمله، وهو 1564 حالة، وهو رقم يمثل جزءًا صغيرًا من أكثر من 20 ألف لاجئ سوداني تم ترحيلهم على الأرجح العام الماضي.

وثّق أرشيف قضايا “منصة اللاجئين في مصر”، الذي يتضمن الحوادث التي أبلغ عنها اللاجئون والمحامون، احتجاز 687 طالب لجوء سوداني بين إبريل/نيسان وأغسطس/آب في ثلاث مناطق رئيسية -القاهرة الكبرى والإسكندرية ومطروح- و1560 آخرين تم احتجازهم وترحيلهم منذ أغسطس.

تسجل قائمة داخلية صادرة عن سلطة الجوازات والهجرة المصرية في 30 سبتمبر/أيلول 2025 نقل 24 مواطنًا سودانيًّا من السجن لإجراءات الترحيل.
تسجل قائمة داخلية صادرة عن سلطة الجوازات والهجرة المصرية في 30 سبتمبر/أيلول 2025 نقل 24 مواطنًا سودانيًّا من السجن لإجراءات الترحيل.

كما جمع الصحفيون أدلة مرئية على عمليات الاحتجاز والترحيل. يُظهر مقطع فيديو، تم تحديد موقعه جغرافيًّا والتحقق منه، ضابطًا يرتدي الزي الرسمي ويحمل عصا وهو يواجه لاجئين خارج مبنى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في القاهرة. وتُظهر مقاطع أخرى قوات الأمن وهي تقوم بعمليات احتجاز عند نقاط التفتيش التابعة للشرطة وفي المناطق السكنية.

وصف اثنان من مسؤولي الأمن المصريين كيف أصبحت عمليات الترحيل روتينية. قال ضابط من القاهرة الكبرى إن مركز الشرطة الذي يعمل فيه يرحل قرابة 200 شخص أسبوعيًّا، بينما قال آخر إن أكثر من 2000 سوداني يتم نقلهم أسبوعيًّا من مراكز الشرطة في القاهرة إلى أسوان، المدينة القريبة من الحدود السودانية.

ووصف أحد نشطاء حقوق الإنسان المصريين حجم عمليات الترحيل بأنه “غير مسبوق” في تاريخ مصر الحديث، بينما قال مسؤول رفيع المستوى في منظمة غير حكومية دولية إن حماية اللاجئين “تتضاءل يومًا بعد يوم”، مما يضع العائلات في مأزق بين خيارين مستحيلين: “تحمُّل الاحتجاز والترحيل، أو المخاطرة بحياتهم في محاولة الوصول إلى أوروبا”.

إلغاء الحماية القانونية

قال معظم اللاجئين الذين تحدثوا إلى الصحفيين إنهم احتُجزوا ورُحّلوا لعدم حصولهم على تصريح إقامة ساري المفعول، وهو شرط قانوني ينطبق على جميع الرعايا الأجانب، ولكن يصعب على اللاجئين استيفاؤه، لأن الحكومة تعاني من تراكم كبير في طلبات التسجيل، وتم تأجيل بعض المواعيد إلى عام 2029.

تُوجِّه ورقةُ الموعد أحدَ اللاجئين السودانيين إلى السلطات المصرية لتقديم طلب للحصول على الإقامة، لكن الموعد المحدد هو مارس/آذار 2028. وتركت الطلبات المتراكمة العديد من اللاجئين دون وضع قانوني ومعرضين لخطر الاحتجاز والترحيل.
تُوجِّه ورقةُ الموعد أحدَ اللاجئين السودانيين إلى السلطات المصرية لتقديم طلب للحصول على الإقامة، لكن الموعد المحدد هو مارس/آذار 2028. وتركت الطلبات المتراكمة العديد من اللاجئين دون وضع قانوني ومعرضين لخطر الاحتجاز والترحيل.

قال اللاجئون إنهم تعرضوا أيضًا للاحتجاز والترحيل على الرغم من حيازتهم وثائق المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، التي من المفترض أن تحميهم من الإعادة القسرية. ووصف بعضهم حالات قامت فيها السلطات المصرية بمصادرة بطاقاتهم عند احتجازهم، مما جرَّدهم من دليل على وضعهم المحمي.

أمرت وثيقة حكومية، حصل عليها الصحفيون، بترحيل ستة لاجئين معظمهم من السودان، أربعة منهم مسجلون لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وأمرت الوثيقة السلطات بمصادرة بطاقات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والتأكد من توقيع اللاجئين على إقرارات تؤكد مغادرتهم “طوعًا”.

في حين أن مصادرة بطاقات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين و”العودة الطوعية” القسرية قد أُبلِغَ عنها منذ فترة طويلة من قِبَل جماعات حقوق الإنسان في مصر، فإن حقيقة تسجيلها هنا في وثيقة حكومية رسمية قد تشير إلى أن هذه الانتهاكات ليست فردية بل جزء من إستراتيجية أوسع.

قال محامٍ يعمل في منظمة محلية معنية باللاجئين، وقد عمل على قضايا ترحيل في مصر لأكثر من عقد من الزمان: “”إنه جهد منهجي لإلغاء الحماية القانونية الممنوحة لهم”. وأضاف: “بمجرد مصادرة الوثائق، يصبح من شبه المستحيل عليهم الدفاع عن حقهم في البقاء”.

قال مدير منظمة مدافعة عن اللاجئين إن الوضع تدهور بسبب “الشيك على بياض” الذي قدمه الاتحاد الأوروبي للقاهرة للحد من الهجرة غير النظامية. وأضاف أن الشراكة “منحت السلطات المصرية حرية كاملة لانتهاك التزاماتها الدولية“.

قد يكون الاتفاق قد أثبت أيضًا أنه يأتي بنتائج عكسية، إذ أدى تدهور الأوضاع بالنسبة للاجئين إلى دفع السودانيين إلى الانتقال إلى ليبيا. وبينما بقي بعضهم هناك، تشير التقارير إلى أن عدد الذين واصلوا رحلتهم إلى أوروبا قفز بشكل كبير في الأشهر الأولى من عام 2025.

خلال هذه الفترة، اعتُقل -أيضًا- مئات السودانيين الذين حاولوا الوصول إلى ليبيا، ووصف المعتقلون ومحاموهم للصحفيين الاكتظاظ الشديد؛ واحتجازهم لشهور دون محاكمة عادلة، ودون رعاية صحية، ودون إمكانية الحصول على اللجوء، وترحيلهم في النهاية إلى السودان.

وأظهرت وثيقة داخلية صادرة عن وزارة الداخلية المصرية أن ما يقرب من 200 سوداني، بينهم نساء وأطفال، رُحِّلوا من مطروح، وهي بلدة شمالية قريبة من ليبيا، في يوم واحد في سبتمبر/أيلول. وأكد المحامون أن عمليات الترحيل هذه تحدث بانتظام وأن أعداد المرحلين ربما تكون أكبر بكثير.

استهداف قادة المجتمع المحلي والأطفال

ركزت التحقيق الذي أُجري العام الماضي على اللاجئين المحتجزين على طول الحدود بعد دخولهم مصر بشكل غير نظامي -وهو أمر ضروري لأن الحصول على التأشيرات يستغرق شهورًا- وفي أثناء سفرهم إلى القاهرة. وتُظهر الحالات الأخيرة كيف امتدت حملة القمع إلى المدن، إذ حدثت عمليات احتجاز عند نقاط التفتيش التابعة للشرطة ومحطات المترو والمناطق السكنية.

قالت لاجئة سودانية إنها اعتقلت في القاهرة في يناير/كانون الثاني بعد أن أخذت الشرطة وثيقتها الصادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تاركة إياها دون دليل على وضعها. وقالت إنها، لعدم حيازتها أوراق إقامة، اقتيدت إلى مركز احتجاز، حيث زور الضباط ملفها وادَّعوا أنها ألقي القبض عليها بالقرب من الحدود دون أي وثائق.

في يناير/كانون الثاني، قامت السلطات أيضًا بترحيل صبي سوداني يبلغ من العمر 17 عامًا كان مسجَّلًا لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ويعيش في الجيزة، وفقًا لإحدى المنظمات العاملة على ملف اللاجئين. تم احتجازه وهو في طريق العودة من المدرسة إلى المنزل، بذريعة عدم حصوله على تصريح إقامة. أدى ترحيله بعد خمسة أيام إلى فصله عن والديه.

وثيقة حكومية مسربة توجه السلطات بتنسيق ترحيل امرأتين إريتريتين وأربعة مواطنين سودانيين، ومنعهم من العودة إلى مصر. حُجِبت أجزاء من الوثيقة لحماية هويات اللاجئين المعنيين.
وثيقة حكومية مسربة توجه السلطات بتنسيق ترحيل امرأتين إريتريتين وأربعة مواطنين سودانيين، ومنعهم من العودة إلى مصر. حُجِبت أجزاء من الوثيقة لحماية هويات اللاجئين المعنيين.

وفي حادثة أخرى وقعت مؤخرًا، نشرتها أيضًا منظمة مدافعة عن اللاجئين، تم احتجاز وترحيل صبي سوداني يبلغ من العمر 15 عامًا، كان يعيش في مصر منذ طفولته، بعد أن تم القبض عليه مع مجموعة من الطلاب الذين كانوا يحتفلون بتخرجهم من المدرسة في أحد متنزهات القاهرة. وعلى الرغم من أن اثنين منهم على الأقل من الجنسية السودانية، فقد تم ترحيلهم جميعًا إلى دولة جنوب السودان.

كما استُهدفت مؤسسات اللاجئين السودانيين. وفقًا لبحث أجرته المنظمة المدافعة عن اللاجئين، أمرت السلطات المصرية بإغلاق ما لا يقل عن 46 مدرسة تابعة للمجتمع السوداني العام الماضي، وغالبًا ما صادرت الأثاث والكتب والموارد الأخرى. استمرت عمليات الإغلاق هذا العام، وفقًا لتقارير وسائل الإعلام المحلية.

وقال قادة مجتمعات اللاجئين من السودان وغيرهم -لا يمكن ذكر أسمائهم بسبب خطر التعرض للانتقام- للصحفيين إنهم يتعرضون بشكل متزايد للاستهداف من قبل أجهزة الأمن، ويتم الضغط عليهم للإبلاغ عن زملائهم اللاجئين تحت تهديد الاحتجاز أو الترحيل.

وقال أحد القادة المجتمعيين الذي اعتُقِل في يناير/كانون الثاني في منطقة القاهرة الكبرى: “اعتُقِلنا دون أي إجراءات قانونية وهُدِّدْنا بالترحيل إذا رفضنا الإبلاغ عن مجتمعاتنا”. وأضاف: “لم يكن لدينا خيار: إما أن نخون مجتمعاتنا أو نواجه الانتهاكات”.

وقال أربعة قادة لاجئين آخرون، إنهم استُدعَوْا مؤخرًا من قبل ضباط الأمن الوطني -في بعض الحالات من قِبَل الشخص نفسه- للإبلاغ عن التطورات داخل مجتمعاتهم، مثل أنشطة النشطاء والمبادرات والتجمعات المخطط لها.

قال القادة المجتمعيون إنهم يتعرضون للاستجواب بعد نشر تقارير حقوق الإنسان أو المقالات الإعلامية حول قضايا اللاجئين، خاصة إذا كان هناك اشتباه في أنهم ساهموا أو كانوا على اتصال بالصحفي أو المنظمة المعنية.

قال أحد قادة المجتمع المحلي السوداني: “أحيانًا يستدعونني إلى المكتب أو مركز الشرطة”. وفي أحيان أخرى، يطلبون مني كتابة تقرير عن حادثة معينة. وإذا لم أستجب لطلباتهم، يرسلون رسائل تهديد إلى هاتفي”.

شارك أحد القادة المجتمعيين مع الصحفيين تسجيلًا لمكالمة هاتفية، استجوبه خلالها ضابط من الأمن الوطني حول مبادرة مجتمعية حديثة، سائلًا عن الجهة التي تديرها، وما إذا كانت تتلقى تبرعات، وما الخدمات التي تقدّمها للمجتمع المحلي.


اقرأ المزيد: مجتمعات لاجئين أخرى مستهدفة

على الرغم من أن السودانيين يشكلون غالبية المُرَحَّلين، فإن جنسيات أخرى وقعت ضحية الحملات الأخيرة، بعد أن عانت لفترات أطول من الاعتقالات والطرد.

في فبراير/شباط، رُحِّلت فتاة إريترية تبلغ من العمر 16 عامًا – مسجلة لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين – بعد قضائها ما يقرب من خمسة أشهر في الحجز لعدم حصولها على أوراق إقامة. وفي أثناء احتجازها، تم اقتيادها إلى السفارة الإريترية وضُغط عليها لتوقيع وثائق توافق فيها على ترحيلها، لكنها رفضت.

ورغم إصابتها بمرض في المعدة وحالة جلدية، حُرمت من الرعاية الطبية، وقالت إنها وافقت في النهاية على الترحيل يائسةً للحصول على العلاج. ووفقًا لعائلتها، تم إدخالها المستشفى فور وصولها إلى إريتريا.

في فبراير، قامت السلطات المصرية أيضًا بترحيل طالبة لجوء من جنوب السودان كانت قد اعتُقِلَت لعدم حيازتها وثائق إقامة. وقالت المرأة، المسجلة لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إنها كانت المعيلة الوحيدة لابنتها البالغة من العمر ثلاث سنوات وشقيقيها الأصغر سنًّا، وجميعهم مدرجون كمعالين في ملف لجوئها.

تحدث الصحفيون أيضًا مع لاجئ من جنوب السودان يبلغ من العمر 19 عامًا ومسجل لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تم ترحيله إلى السودان في فبراير. عند اعتقاله في القاهرة، قدَّم والده بطاقة المفوضية وجواز سفر جنوب السودان إلى السلطات. ومع ذلك، تم نقله إلى السفارة السودانية بعد يومين فقط لإجراءات الترحيل.

قال الشاب إنه تعرض للضرب المتكرر في أثناء احتجازه، وأُجبر على توقيع استمارة موافقة تحت تهديد تعرضه للمزيد من العنف.

قال: “عند الحدود، أخبرتهم أنني سوداني لأنني كنت خائفًا من أن يتم اعتقالي مرة أخرى. الوثيقة الوحيدة التي كانت بحوزتي هي وثيقة السفر الصادرة عن السفارة السودانية، والتي تثبت أنني سوداني”.

بيانات ضعيفة و اتهامات بالرشوة

واجهت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين انتقادات من اللاجئين والمحامين ومنظمات المجتمع المدني بسبب ردها على عمليات الترحيل، على الرغم من أن الكثيرين أقروا بأنها تعمل في ظل قيود كبيرة.

فعلى سبيل المثال، تمنع السلطات المصرية المفوضية من الوصول إلى مراكز الاحتجاز والمناطق الحدودية، مما يجعلها “عمياء فعليًّا”، وفقًا لما قاله موظف سابق في المفوضية في مصر. وقالوا: “لا يعرفون من يتم احتجازه أو ترحيله إلا بعد حدوث ذلك. وقدرتهم على التدخل شبه معدومة”.

ووصف مدير منظمة تناصر اللاجئين بيانات المفوضية بشأن العودة القسرية بأنها “ضعيفة للغاية”. وفي مقابلة أجريت في وقت سابق من هذا العام، قال إن المعلومات التي جمعتها الوكالة تشير إلى انخفاض عمليات الترحيل، وهو عكس ما وثقه العديد من الآخرين.

إن الوجود المحدود للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين على طول الحدود المصرية مع السودان يعني أنه لا يوجد لديها نظام لتسجيل اللاجئين عند وصولهم، ما يجعل الكثيرين عرضة للاحتجاز في أثناء سفرهم إلى مكتب التسجيل الوحيد التابع للوكالة في القاهرة. وثق الصحفيون العديد من حالات احتجاز اللاجئين في الطريق.

نظرًا للطلب الهائل، يواجه مركز التسجيل في القاهرة صعوبة في تلبية احتياجات الوافدين الجدد، خاصة وأن مركزيْن آخرين قد أُغلِقا مؤخرًا بسبب خفض التمويل. ووفقًا لوثيقتَي مواعيد اطّلع عليهما الصحفيون، حصل بعض المتقدّمين في عامي 2024 و2025 على مواعيد تمتد إلى عام 2026.

وصفَ الموظف السابق في المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر -شغل مناصب مختلفة- الإحباط الداخلي المتزايد. قال: “كان اللاجئون يأتون إليّ يائسين للحصول على إجابات، ولم يكن لدي ما أقدمه لهم. وصل الأمر إلى درجة أنني بدأت أشعر أنهم يستاؤون مني. سألت نفسي، لماذا أنا هنا أصلًا؟”.

قالت عدة مصادر إن تأخير التسجيل أدى إلى ازدهار السوق السوداء: يدفع اللاجئون الذين لديهم المال لشبكة من الوسطاء الذين يزعمون أن لديهم صلات بموظفين يعملون في المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين للحصول على مواعيد مبكرة تم شراؤها من طالبي اللجوء الآخرين.

قال أحد قادة مجتمع اللاجئين إن الرشوة خارج مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين “تحدث يوميًّا وعلى مرأى من الشرطة”. واتهموا المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بالتقاعس، بخلاف إصدار “بيانات تحذير عامة” تنصح اللاجئين بعدم دفع المال للحصول على مواعيد.

قال بالوش، المتحدث باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إن حماية اللاجئين من الاستغلال وضمان نزاهة برامج الوكالة هي “أولويات رئيسية”. وأضاف أن المفوضية تعمل مع الشركاء والمجتمعات “بشكل مستمر” لزيادة الوعي بمخاطر الاحتيال وتذكير اللاجئين بأن جميع خدمات المفوضية مجانية.

وأضاف بالوش أن تمويل عمليات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر انخفض بشكل حاد هذا العام، لكن الوكالة “تعمل جاهدة لزيادة قدرتها على التسجيل وتقديم حلول عبر الإنترنت”. وقال إن فترة الانتظار للتسجيل قد تم تقليصها من فترة تتراوح بين تسعة إلى عشرة أشهر في عام 2024 إلى ما بين أربعة إلى خمسة أشهر في عام 2025.

استجابة “ضعيفة” من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين

ذكرت العديد من المصادر الأخرى أنه حتى مع الأخذ في الاعتبار القيود التي تواجهها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فإن أداءها لمهامها الأساسية في مجال الحماية -مثل التدخل لدى السلطات نيابة عن اللاجئين المهددين وتقديم الدعم القانوني في الوقت المناسب- لم يكن جيدًا بما فيه الكفاية.

وقال محامٍ آخر متخصص في شؤون اللاجئين منذ فترة طويلة: “حتى عندما يتم احتجاز اللاجئين أو ترحيلهم، يظل النظام غامضًا، وآليات الحماية عديمة الفعالية، ويُترك الأشخاص الأكثر عرضة للخطر -مثل السودانيين- دون دعم”.

وقال قائد مجتمعي إريتري، يعيش في مصر منذ أكثر من 10 سنوات، “إنه عادةً لا يتلقّى أي رد” عندما ينقلون تقارير عن احتجاز وترحيل أفراد من المجتمع. وقال هذا الشخص: “تغضب الجالية منا وتحملنا المسؤولية. لقد وضعتنا المفوضية في موقف صعب للغاية”.

وقال حسن عبد الله، وهو لاجئ سوداني أيضًا، إنه أرسل بريدًا إلكترونيًّا إلى المفوضية بعد أن تلقى تهديدات بالقتل من رجل مصري عقب نزاع مالي قبل بضع سنوات. وبعد أربعين يومًا، قُتل ابنه البالغ من العمر 12 عامًا في ما وصفه بأنه تصعيد مباشر للنزاع نفسِه. قال حسن إن المساعدة القانونية التي تلقاها من المفوضية كانت غير فعالة، ولم يتم تقديم أي تدابير حماية مثل دعم إعادة التوطين إلا بعد مرور وقت طويل على الحادث.

قال منصور، الذي كان يدير مدرسة الجالية السودانية، إن عائلته أرسلت رسالة إلكترونية إلى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بعد احتجازه في 1 يوليو/تموز. وأضاف أن الوكالة ردت في 9 يوليو، مؤكدة استلام الرسالة ومشيرة إلى أن فريقها على علم بالقضية. وجاء رد أكثر تفصيلًا في 29 يوليو، وفي ذلك الوقت كان قد تم بالفعل تجهيز إجراءات ترحيله، دون أن يرى محاميًّا. وتشير وثيقة الترحيل الخاصة به -التي حصل عليها هذا التحقيق رغم أنها عادة ما تُحجب- إلى توجيه السلطات السودانية بتسهيل إصدار وثائق سفر طارئة لترحيله.

وثيقة سفر طارئة صادرة عن السفارة السودانية في القاهرة لتسهيل ترحيل عثمان يعقوب منصور من مصر، وهو مواطن سوداني ولاجئ مسجل لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
وثيقة سفر طارئة صادرة عن السفارة السودانية في القاهرة لتسهيل ترحيل عثمان يعقوب منصور من مصر، وهو مواطن سوداني ولاجئ مسجل لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

كما زعم منصور أن أفراد عائلته اتصلوا مرارًا وتكرارًا بموظف معين في المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الذي أكد لهم أن القضية ستتم متابعتها. ولكن عندما تابعوا الأمر داخليًّا في وقت لاحق، قيل لهم إنه لا يوجد أي سجل لهذه الرسائل. قال منصور: “إنه يقول فقط: (سأتولى حلَّ المشكلة)، ولا يسجل أي شيء رسميًّا”.

وزعم موظف حالي في المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر، يشغل منصبًا رفيعًا، أن أجهزة الأمن قد تسللت إلى الوكالة وأن هذا النفوذ يؤدي إلى ترك القضايا دون معالجة. وقال إن بعض الزملاء، تحت الضغط، حثوا آخرين على إسقاط تقارير عن حالات احتجاز، أو منعوا شكاوى حسّاسة، تتعلق بانتهاكات حكومية، من أن تُرفع داخل الوكالة إلى المستويات الأعلى.

وقال المُبلِّغ عن المخالفات إن الموظفين أنفسَهم راقبوا أيضًا قادة مجتمع اللاجئين، ورصدوا الذين يرفعون شكاوى أو ينظمون مبادرات تتعلق بقضايا اللاجئين. وقالوا إن بعض هؤلاء الأفراد تم احتجازهم لاحقًا بتهمة انتهاك قوانين التأشيرات أو لأسباب أمنية.

أعرب لاجئون ومحامون ونشطاء حقوقيون آخرون عن مخاوف من أنّ عمليات المفوضية قد تم اختراقها من قبل الأجهزة الأمنية -وهي مشكلة قالت المصادر إنها تطال العديد من المنظمات الدولية في مصر- مستشهدين بحالات تم فيها احتجاز لاجئين بعد وقت قصير من زيارتهم لمكاتب المفوضية.

قال أحد نشطاء اللاجئين إنه حضر اجتماعًا نظمته المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في القاهرة عام 2021، وفي اليوم التالي تلقى مكالمة من ضابط أمن وطني، كان يتواصل معه كثيرًا، يطلب منه حضور اجتماع في مقر الأمن. 

قال القائد المجتمعي: “صُدمت عندما اكتشفت أنه كان على علم بكل ما ناقشناه، كما لو كان حاضرًا بيننا”. “هذا عرّضني لتهديدات منه لأن تدخُّلي خلال هذا الاجتماع كان حادًّا ضد الحكومة المصرية”.

طلب الصحفيون من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الرد على الاتهامات بأن مكتبها في مصر يتأثر بأجهزة الأمن، وعلى الادعاءات بأن بعض الموظفين أخفوا تقارير عن عمليات احتجاز، لكن المتحدث الرسمي لم يتطرق إلى هذه النقاط بشكل مباشر.

قال بالوش: “عندما تتلقى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين معلومات عن احتمال احتجاز أو احتجاز أو ترحيل أشخاص قد يكونون بحاجة إلى الحماية الدولية، فإنها تتابع الأمر مع السلطات المصرية وتدعو إلى اتباع الإجراءات القانونية الواجبة بما يتماشى مع القانون الدولي للاجئين وحقوق الإنسان”.

الصمت

اتهمت العديد من المصادر المفوضيةَ السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر بعدم انتقاد عمليات الترحيل علنًا، أو مواجهة الحكومة المصرية، ورأى بعضهم أن صمتها يعد شكلًا من أشكال التواطؤ.

وقال المحامي الذي عمل في قضايا الترحيل لأكثر من عقد من الزمان: “أصبح النظام أكثر تنظيمًا وعدوانية”. وأضاف: “بالتزامها الصمت تجاه الانتهاكات الواضحة لقانون اللجوء، لا تهمل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ولايتها فحسب، بل تصبح شريكة في الجريمة”.

لم يجد تحليل أجراه صحفيون للبيانات العامة الصادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر على مدى العامين الماضيين أي إشارة إلى عمليات الترحيل في عشرات التحديثات المتعلقة بأنشطتها بشأن اللاجئين السودانيين، ولا في تقاريرها السنوية.

في مقابلة مع صحيفة المصري اليوم المصرية الشهر الماضي، قالت روفيندريني مينيكديويلا، المسؤولة الكبيرة في المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إن مصر كانت “رائعة في تعاملها” مع اللاجئين والسماح لهم بالعيش في مدنها وبلداتها. ولم تذكر شيئًا عن عمليات الترحيل الجماعي.

“بالتزامها الصمت إزاء الانتهاكات الواضحة لقانون اللجوء، لا تهمل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ولايتها فحسب، بل تصبح شريكة في الجريمة”

ووصفت مينيكديويلا قانون اللجوء الجديد في مصر بأنه “بالغ الأهمية” و”مبادرة ممتازة”، على الرغم من أن التعليقات الرسمية للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين على التشريع أشارت إلى أنه لا يتضمن صراحة مبدأ عدم الإعادة القسرية بما يتماشى مع التزاماتها بموجب اتفاقيات اللاجئين.

سيُخوِّل قانون اللجوء الحكومةََ تولّي مسؤولية تسجيل طالبي اللجوء وتحديد صفة اللاجئ بدلًا من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، لكن المنتقدين يقولون إنه يفتح الباب أمام الإعادة القسرية بمنحه السلطات صلاحيات واسعة لإلغاء الصفة وترحيل الأشخاص بناءً على أسباب مبهمة.

دعم مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر لعدة سنوات تطوير القانون، من خلال ورش عمل بناء القدرات، وموائد مستديرة، وحاليًّا من خلال العمل على خطة انتقالية مدتها خمس سنوات.

تساءل أشرف ميلاد، محامٍ بارز في مجال اللجوء في مصر، عما إذا كان ينبغي للوكالة أن تدعم هذه العملية بالنظر إلى أنها “تعرف جيدًا مدى الانتهاكات التي ترتكبها السلطات المصرية”.

وقال جيف كريسب، الخبير في شؤون اللاجئين والمسؤول السابق في المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إن المكتب القُطْري في مصر يتوخى الحذر في التحدث عن عمليات الترحيل وقانون اللجوء “لأن ذلك قد يعرِّض علاقاته مع السلطات للخطر، وبالتالي يهدد وصوله وعملياته”.

وقال كريسب إن اعتماد المنظمة على التمويل من الاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية يمنعها أيضًا من الإدلاء بتصريحات أكثر صراحة، نظرًا لأن هذه الدول تلتزم بتقديم مليارات اليُورُوَات للقاهرة مقابل قيام الحكومة بالحد من الهجرة إلى أوروبا.

وعلى غرار المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، لم يوجه الاتحاد الأوروبي سوى انتقادات محدودة للسياسات المصرية، على الرغم من أنه أقر سرًّا بأن قانون اللجوء لا يفي بالمعايير الدولية، وفقًا لملاحظات اجتماع عُقد في وقت سابق من هذا العام بين مسؤولين في الاتحاد الأوروبي ومنظمات المجتمع المدني المصرية، تم تقاسمها مع الصحفيين.

قال أحد مسؤولي الاتحاد الأوروبي في الاجتماع إن الاتحاد طلب الاطِّلاع على مسودة القانون مسبقًا، لكن طلبه قوبل بالرفض. ومع ذلك، قال المسؤول إن القانون الجديد لن يوقف التعاون مع القاهرة، مشيرًا إلى أنه “علينا أن نقبل حقيقة نوع الحكومة التي لدينا في مصر”.

سيكون قبول هذا الواقع أصعب بكثير بالنسبة للاجئين مثل منصور، الذي تم ترحيله في وقت سابق من هذا العام وأغلقت الحكومة مبادرته التعليمية الشعبية. قال: “لقد محوا كل ما بنيته. الآن لم يتبق للأطفال شيء”.

حرَّرَ النص الإنجليزي: فيليب كلاينفيلد

Edition Scan this QR code to read on your mobile device QR Code for حصري: مصر تكثف ترحيل اللاجئين السودانيين دون معارضة تذكر من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.. “إنه جهد منهجي لإلغاء الحماية القانونية الممنوحة لهم”
Facebook
Twitter
LinkedIn