من التحريض على اللاجئين إلى الضغط على من يعالجهم.. الرعاية الصحية حق للجميع دون تمييز

تتابع منصة اللاجئين في مصر بقلق بالغ تجدد الخطاب العدائي والتحريضي ضد اللاجئين والمهاجرين في مصر، الذي امتد خلال الآونة الأخيرة إلى الحق في الحصول على الرعاية الصحية، وقد شملت هذه الحملات دعوات إلى منع أو وقف تقديم الخدمات الطبية والعلاجية للاجئين. إلى جانب استهداف بعض المستشفيات والمنشآت الصحية بالتشهير والضغط بسبب تقديمها خدمات علاجية لغير المصريين.

وكانت مؤسسة “بهية” من أحدث الجهات التي تعرضت لهذه الحملة، ما دفعها إلى إصدار بيان أوضحت فيه أن التبرعات المقدمة من الأفراد والمؤسسات المصرية مخصصة لعلاج السيدات المصريات غير القادرات، فيما تُقدم الخدمات لغير المصريات عبر قسم العلاج الاقتصادي، المنفصل عن النشاط الخيري، وبموجب بروتوكولات مع جهات وسفارات تتحمل تكاليف علاج الحالات المحالة، بحسب البيان المنشور على صفحتها على الفيس بوك. كما أكدت المؤسسة أن العائد من هذه البروتوكولات يساهم في دعم بعض خدماتها المجانية وتعزيز استدامة أقسامها الخيرية.

ترى منصة اللاجئين في مصر أن النقاش بشأن السياسات العامة، وقدرة النظام الصحي المصري على الاستجابة للطلب المتزايد على الخدمات، وحجم التمويل المتاح للقطاع الصحي، هو نقاش مشروع وضروري. ومن حق المتبرعين معرفة أوجه استخدام تبرعاتهم، كما يقع على المؤسسات الخيرية واجب الالتزام بالأغراض التي جُمعت الأموال من أجلها، وبأعلى معايير الشفافية والمساءلة.

لكن هذا النقاش يصبح خطيرًا حين يجري اختزال أزمة صحية مزمنة ومعقدة في وجود اللاجئين، أو حين يُصوَّر اللاجئ المريض بوصفه سببًا لنقص الأسرّة أو الأدوية أو الموارد. إن استخدام جنسية المريض مبررًا للمطالبة بحرمانه من العلاج ينقل القضية من نقاش مشروع حول توزيع الموارد إلى تمييز صريح يمس الحق في الحياة والكرامة الإنسانية.

فالسؤال الذي تكشفه الحملة الأخيرة أكثر جوهرية: كيف يمكن أن يتحول تقديم العلاج لمريضة مصابة بالسرطان إلى سبب للتشهير بمؤسسة صحية أو الدعوة إلى مقاطعتها، لمجرد أن المريضة ليست مصرية؟

وفي السياق نفسه توضح “منصة اللاجئين في مصر” أن اللاجئين/ات وملتمسي/ات اللجوء في مصر يعانون بالفعل من أزمة متقاطعة -خاصة القادمين/ات من السودان- إذ يُحرم الأشخاص من الحق في الصحة بسبب أزمة “انعدام توثيق قسري” ليسوا سببا فيها، وتمتنع المستشفيات العامة عن تقديم الخدمات دون وجود تصريح إقامة سارٍ، أو يُعامَل الشخص معاملة الشخص الأجنبي ماليًّا، في الوقت الذي لا يستطيع معظمهم على دفع تكاليف العلاج المرتفعة، في الوقت نفسه قطعت مفوضية اللاجئين الدعم الصحي المنقذ للحياة عن نحو 20 ألف منهم بسبب أزمة نقص التمويل الحاد التي تعاني منها المنظمة.

تؤكد منصة اللاجئين في مصر، أن الرعاية الصحية ليست امتيازا يمنح للأشخاص وفقًا لجنسيتهم، وإنما حق أساسي من حقوق الإنسان، إذ يقر العهد الدولي الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بحق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة البدنية والعقلية، كما تؤكد منظمة الصحة العالمية ضرورة تمكين اللاجئين والمهاجرين من الوصول إلى الخدمات الصحية دون تمييز، وهو ما يتسق كذلك مع اتفاقية جنيف لعام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين التي تنص على تمتع اللاجئين بمعاملة مماثلة لمواطني الدولة في ما يتعلق بالإغاثة والمساعدة العامة.

وفي مصر، لا يستند حق اللاجئين في الرعاية الصحية إلى الالتزامات الدولية وحدها؛ بل القانونية المحلية رغم ما يحيط بها من انتقادات حقوقية وإشكاليات، فقد نصت المادة 21 من قانون لجوء الأجانب رقم 164 لسنة 2024 صراحةً على حق اللاجئ في الحصول على “رعاية صحية مناسبة”، وفقًا للضوابط المنظمة لذلك. وبذلك، فإن حصول اللاجئ على الرعاية الصحية ليس استثناءً أو منحة تقدمها بعض المؤسسات، وإنما حق أقره كذلك الإطار التشريعي المصري.

وتتفهم المنصة القلق الحقيقي لدى قطاعات من المصريين بشأن تراجع جودة الخدمات العامة، والضغط على المستشفيات، ونقص الأطباء والأدوية والأسرّة والتجهيزات. ومن حق المواطنين المطالبة بنظام صحي أفضل، وزيادة الموارد المخصصة للصحة، والشفافية بشأن التمويل الدولي الموجه إلى اللاجئين وأوجه استخدامه.

غير أن هذا النقاش يجب أن يوضع في سياقه الصحيح. فبحسب أحدث بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بلغ عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين لديها في مصر نحو 1.1 مليون شخص حتى نهاية يونيو/حزيران 2026، في بلد يتجاوز عدد سكانه 109 مليون نسمة، ما يعني أن نسبتهم لا تتجاوز 1% من عدد السكان، وباقي الأجانب في مصر يُعاملون معاملة الأجنبي ماليًّا، بتكاليف مرتفعة، ورغم أن تركز أعداد كبيرة من اللاجئين في مناطق بعينها قد يفرض ضغطًا إضافيًّا على بعض المستشفيات والوحدات الصحية، فإن ذلك يختلف جذريًّا عن تحميل اللاجئين مسؤولية المشكلات الهيكلية المزمنة التي يعاني منها القطاع الصحي المصري.

لقد سبقت التحدياتُ التي يواجهها النظام الصحي المصري الزيادةَ الأخيرة في أعداد اللاجئين، وتشير الإستراتيجية الوطنية للصحة 2024-2030 إلى مشكلات هيكلية في النظام الصحي، من بينها تراجع عدد أسرّة المستشفيات من 14 سريرًا لكل عشرة آلاف نسمة عام 2014 إلى 12 سريرًا عام 2023، وهو معدل أدنى بكثير من المستهدف الوطني البالغ 30 سريرًا لكل عشرة آلاف نسمة. لذلك، فإن اختزال أزمة بهذا التعقيد في وجود اللاجئين لا يفسر أسبابها، بل ينقل المسؤولية عن قصور السياسات والموارد إلى المريض اللاجئ باعتباره الطرف الأسهل في تحميله المسؤولية، وكما أشرنا فقد حرمت أزمة التوثيق بالفعل قطاعات عريضة من اللاجئين من استقبال خدمات مخفضة التكاليف في المستشفيات العامة.

في الوقت نفسه، تروج بعض المجموعات والحمالات المعادية للاجئين في مصر، أكاذيب/ معلومات مضللة مفادها أن اللاجئين في مصر يحصلون على علاج مجاني شامل تتحمل الدولة تكلفة، وكأنهم يصورون أن كل خدمة صحية يحصل عليها اللاجئ تأتي على حساب المواطن المصري، متجاهلين الواقع الفعلي لكيفية حصول اللاجئين على الرعاية الصحية.

فكما وضحنا، تتيح وزارة الصحة، قانونا، عددا من الخدمات الصحية، خصوصا خدمات الرعاية الأولية والوقاية والطوارئ، مجانا أو بتكلفة ميسَّرة للاجئين شأنهم شأن المصريين، ولكن هذا لا يعني أن كل الخدمات المقدمة للاجئين مجانا، إذ يتحمل اللاجئون والمهاجرون تكاليف الخدمات الطبية والعلاجية أو الإقامة في المستشفيات.

وفي المقابل، توجد منظومة تمويل دولية موازية لدعم احتياجات اللاجئين الصحية، إذ تموّل المفوضية شركاء محليين لتقديم خدمات الأمراض المزمنة والصحة النفسية والرعاية المتخصصة. ففي يونيو/حزيران 2025 وقّعت اتفاقًا مع مؤسسة البنك التجاري الدولي(CIB) لتمويل علاج نحو 600 طفل لاجئ، وفي مارس/آذار 2026 أبرمت شراكة مع (AXON Plus) لتوفير خدمات طبية منخفضة التكلفة للاجئين عبر شبكة من مقدمي الخدمات الخاصة.

ولا يقتصر هذا التمويل على اللاجئين فقط، بل يدعم أيضًا النظام الصحي المصري. ففي فبراير/شباط 2026 قدمت المفوضية جهازين رنين مغناطيسي لمستشفييْ الزيتون والقناطر، وفي 2018 دعمت المفوضية 19 مستشفى حكوميًّا بمعدات طبية بقيمة 1.4 مليون دولار، إلى جانب برامج تدريب للعاملين الصحيين. كما أعلنت “جايكا” ومنظمة الصحة العالمية في مارس/آذار 2026 عن مشروع لدعم احتياجات اللاجئين والمجتمعات المضيفة بالتنسيق مع وزارة الصحة، وفي عام 2024، وقعت المنظمة اتفاقًا مع حكومة اليابان بقيمة تزيد على 8 ملايين دولار أمريكي لدعم علاج المرضى الفلسطينيين الذين جرى إجلاؤهم من غزة إلى مصر.

وتوضح تجربة مؤسسة “بهية” أيضًا أن علاج غير المصريات يتم عبر بروتوكولات مدفوعة من جهات متعاقدة، ما يساهم في دعم خدمات مجانية للمصريات غير القادرات. لذلك، فإن تصوير علاج اللاجئين باعتبارها عبئًا على الدولة فقط يتجاهل تعدد مصادر التمويل، ودور الدعم الدولي في تعزيز قدرات النظام الصحي المصري الذي يستفيد منه المصريون واللاجئون معًا، فعندما تتعرض المؤسسات الصحية والخيرية لهجمات مماثلة من تيارات متطرفة وعنصرية، فأمر طبيعي توضيح طبيعة العمل ومصادر التمويل وأوجه إنفاق التبرعات، بما يضمن الحق في المعرفة والشفافية. لكن الإشكالية تبدأ عندما يتحول هذا التوضيح، تحت ضغط التشهير والمقاطعة والابتزاز الإلكتروني، إلى موقف دفاعي أو اعتذاري عن تقديم الخدمة لغير المصريين، وكأن مساعدة المريض بسبب جنسيته “تهمة” ينبغي نفيها.

بدلًا من الخضوع لهذا الخطاب، تستطيع المؤسسات الصحية القيام بدور مجتمعي في مواجهة التمييز وترسيخ مبدأ أن الرعاية الصحية لا ينبغي أن تتوقف على جنسية المريض. فكما ساهمت هذه المؤسسات على مدار سنوات في نشر الوعي بالأمراض والكشف المبكر وكسر الخوف والوصم المرتبطين بها، يمكنها أيضًا التأكيد على أن الحق في العلاج يشمل كل من يحتاج إليه دون تمييز.

وتؤكد منصة اللاجئين في مصر أن الدفاع عن حق المواطن المصري في خدمة صحية جيدة لا يتعارض مع الدفاع عن حق اللاجئ في العلاج. فلا ينبغي وضع المريض المصري واللاجئ في مواجهة بعضهما، بينما تظل الأسئلة المتعلقة بالإنفاق على الصحة وتوزيع الموارد وكفاءة النظام الصحي بعيدة عن النقاش.

وتدعو منصة اللاجئين في مصر، مؤسسات المجتمع المدني إلى عدم الخضوع لحملات التحريض التي تطالب بالتمييز بين المرضى على أساس الجنسية، مع الالتزام بالشفافية بشأن مصادر التمويل. كما تدعو وسائل الإعلام ومستخدمي منصات التواصل الاجتماعي إلى عدم استغلال المشكلات الحقيقية التي يعاني منها القطاع الصحي للتحريض ضد اللاجئين أو المؤسسات التي تقدم لهم الرعاية.

Edition Scan this QR code to read on your mobile device QR Code for من التحريض على اللاجئين إلى الضغط على من يعالجهم.. الرعاية الصحية حق للجميع دون تمييز
Facebook
Twitter
LinkedIn