الحماية والإنقاذ بدلًا من العسكرة.. غياب البحث والإنقاذ على الحدود البرية المصرية يفاقم مأساة الأشخاص المتنقلين والمجتمعات المحلية.. على الدولة المصرية أن تتحمل التزاماتها الدولية 

الحماية والإنقاذ بدلًا من العسكرة.. غياب البحث والإنقاذ على الحدود البرية المصرية يفاقم مأساة الأشخاص المتنقلين والمجتمعات المحلية.. على الدولة المصرية أن تتحمل التزاماتها الدولية 

This post is also available in: الإنجليزية

يان من “منصة اللاجئين في مصر”

صدر في 15 يوليو 2025

تشهد حدود مصر والمناطق القريبة منها، خصوصًا الجنوبية في مدن مثل أسوان، أبو سمبل، أرقين، وشلاتين، ظروفًا مناخية قاسية خلال أشهر الصيف، إذ تتجاوز درجات الحرارة غالبًا 45 درجة مئوية، وقد تصل إلى قرابة 50 درجة، كما حصل خلال يونيو/حزيران 2024، في ظل الطبيعة الصحراوية وعرة المسالك، ومع عسكرة هذه المناطق بموجب قرار رئيس الجمهورية رقم 444 لسنة 2014، تم تصنيف المناطق الحدودية والمتاخمة للحدود كمناطق عسكرية محظور وممنوع التواجد فيها، هذا الواقع شل قدرة المنظمات الإنسانية على تقديم الدعم أو المساهمة في تنفيذ مهام الإنقاذ، ما يعيق أي تدخل عاجل أو إنشاء آلية استجابة مشتركة فعالة للطوارئ، فضلا عن عدم سماح السلطات المصرية بإنشاء نقاط استقبال وتسجيل حدودية للاجئين وملتمسي اللجوء.

في تقاطعية مع فرض السلطات المصرية قيودًا مشددة على الدخول النظامي وارتفاع تكلفة التنسيق الأمني لاستخراج التأشيرة لأكثر من ألفي دولار، يضطر عشرات آلاف اللاجئين السودانيين الفارين من الحرب إلى سلوك طرق صحراوية وعرة وغير ممهدة تخضع للقرارات والسلطات العسكرية. هذه المسارات غير الآمنة، التي يختارها اللاجئون اضطرارًا لا خيارًا، تشكّل مسرحًا مفتوحًا للموت، في ظل انعدام تام لأي خدمات إنسانية أو استجابات طارئة.

يتنقل اللاجئون/ات في مجموعات صغيرة، سيرًا على الأقدام أو باستخدام وسائل نقل بدائية، محاطين بالخطر من كل اتجاه: العطش، والجوع، والإنهاك الجسدي، وانقطاع الاتصال بالعالم الخارجي. وتزداد الخطورة على الفئات الأضعف بين العابرين، مثل النساء، والأطفال، والمرضى وكبار السن، الذين لا يمتلكون القدرة الجسدية أو المعرفة اللازمة لتحمل ظروف الصحراء القاسية.

البحث والإنقاذ في الصحراء واجب والتزام قانوني كما في المياه

وفقًا لتقارير المنظمة الدولية للهجرة (IOM)، سُجلت أكثر من 3,400 حالة وفاة واختفاء لمهاجرين في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا خلال عام 2024، معظمها في الصحاري النائية بين السودان ومصر وليبيا، بسبب العطش وضربات الشمس ونقص الماء والغذاء، وسط غياب آليات إنقاذ فعالة، وتؤكد الوقائع الموثقة من خلال المجتمع المدني في مصر خلال صيف 2024 هذه المؤشرات المروعة. فقد شهدت الأيام بين 7 و9 يونيو 2024 موجة حر قاتلة أدّت إلى وفاة ما بين 40 و80 لاجئًا سودانيًّا في أثناء محاولتهم عبور الصحراء المصرية بشكل غير نظامي خلال أقل من 48 ساعة. وبحسب القنصل السوداني في أسوان، تم دفن 51 جثمانًا خلال أيام قليلة، بعضها في مقابر جماعية. كما استقبلت مستشفيات أسوان عشرات المصابين، وتم العثور على جثامين أسر بأكملها بجوار سيارات تعطلت بهم أو بعد أن ضلوا طريقهم في عمق الصحراء.

استنادًا إلى مستندات رسمية ومحاضر طبية، وثّقت منصة اللاجئين في مصر وفاة ما لا يقل عن 27 لاجئًا سودانيًّا خلال الفترة من يونيو/حزيران إلى سبتمبر/أيلول 2024، في أثناء محاولتهم العبور إلى مصر عبر الصحراء بطرق غير نظامية. وتشير الوثائق إلى أن هذه الوفيات جاءت نتيجة درجات الحرارة المرتفعة، ونفاد المياه والطعام، وغياب أي خدمات إسعافية أو تدخل إنساني في المناطق الحدودية الصحراوية التي يسلكها اللاجئون للوصول إلى الأراضي المصرية.

من بين هذه الحالات، في 9 يوليو/تموز 2024، اطلعت المنصة على محضر رسمي يثبت وفاة سيدة سودانية وطفليها فور وصولهم إلى مستشفى أسوان العام، بعد أن تاهوا في الصحراء لعدة أيام دون ماء أو طعام، وتعرضوا لضربات شمس قاتلة. ووصلت الجثث في حالة وفاة، دون أن تتاح لهم أي فرصة للوصول إلى نقطة إسعاف أو إنقاذ، وفي 27 يونيو 2024، تم نقل رجل سوداني مسن يبلغ من العمر 83 عامًا إلى مستشفى أسوان، برفقة حفيده البالغ من العمر 14 عامًا، نتيجة هبوط حاد في الدورة الدموية وجفاف شديد ناتج عن إجهاد حراري خلال رحلته الشاقة من السودان إلى مصر، وفي 5 سبتمبر 2024، توفيت شابة سودانية حامل في شهرها السابع في أثناء رحلتها إلى مصر، نتيجة تسمم الحمل (الإرجاج)، وتوقف عضلة القلب والتنفس، وهو ما وثقه مستشفى حكومي في أسوان، كما وثّقت المنصة وفاة لاجئة أخرى داخل سيارة في أثناء قدومها من السودان إلى مصر، وكانت تعاني من أزمة صدرية حادة وجفاف شديد.

السجن بدلا من الحماية والإنقاذ

بحسب توثيق “منصة اللاجئين في مصر”، فقد رصدت المنصة في الفترة من فبراير/شباط إلى أغسطس/آب 2024 عشرات الحوادث المرورية التي تعرّض لها مهاجرون في أثناء تنقّلاتهم داخل مصر، وتم تسجيل إصابة نحو 165 مهاجرًا، ووفاة 19مهاجرًا  نتيجة هذه الحوادث.

وبحسب عشرات الشهادات التي حصلت عليها المنصة، فإن السلطات المصرية لا تتعامل مع الناجين باعتبارهم ضحايا، بل تقوم بتجريمهم واحتجازهم لفترات متفاوتة، بمن في ذلك المصابين وغالبًا قبل استكمال علاجهم في المستشفيات. وتُوجَّه لهم اتهامات بالتهريب، قبل أن تُصدر النيابة العامة لاحقًا قرارات بإخلاء سبيلهم. ومع ذلك، لا يتم تمكينهم من تقديم طلبات التماس لجوء، بل يُرحّلون مباشرة، في انتهاك لحقهم في التماس الحماية الدولية، فضلًا عن تدوير المصريين في قضايا مختلفة ومن دون أدلة.

مفقودون دون طريق قانوني للبحث وإجلاء المصير

في الفترة نفسها، وثّقت “منصة اللاجئين في مصر” فقدان عشرات اللاجئين السودانيين في أثناء محاولتهم العبور غير النظامي إلى مصر عبر الصحراء، في رحلات متفرقة، شملت نساء وأطفالًا وكبار سن. وبحسب إفادات أسر المفقودين، حاول الأهالي تقديم بلاغات رسمية إلى قسم شرطة الشلال، إلا أن القسم رفض استقبالها، وأبلغهم بأن عمليات البحث والإنقاذ في الصحراء تقع ضمن اختصاص الجيش فقط، دون أن يتم اتخاذ أي إجراء عملي.

لاحقًا، قامت إحدى العائلات بجهد ذاتي للبحث في المنطقة التي يُرجّح أن المجموعة اختفت فيها، وتمكنوا من العثور على سيارة متروكة وبعض المتعلقات الشخصية، من بينها شهادة ميلاد لطفلة كانت ضمن المفقودين. ولم تتمكن العائلة من مواصلة البحث، بعد أن رُفض طلبهم بالمرور إلى شلاتين من قبل قوات حرس الحدود، رغم وجود مركز بحث وإنقاذ رئيسي للقوات المسلحة المصرية، إلا أن عمليات البحث والإنقاذ في المناطق الحدودية الصحراوية نادرة جدًّا، وتقتصر عادة على الحوادث البحرية أو الطائرات. في الواقع، لم تسجل أي عمليات بحث أو إنقاذ رسمية للمهاجرين أو المصريين في الصحراء خلال موجات النزوح الأخيرة، رغم تكرار حوادث الوفاة الجماعية.

يعتمد اكتشاف الضحايا غالبًا على الصدفة أو بلاغات الأهالي، ولا توجد فرق طوارئ أو نقاط إسعاف أو ممرات إنسانية آمنة على الحدود الجنوبية أو الغربية، الأمر الذي يؤثر أيضا في المجتمعات المحلية التي يخرج أبناؤها للصيد أو التجول في الصحراء، وفي ظل التغيرات المناخية تزداد الحاجة إلى وجود خدمات طوارئ وبحث وإنقاذ في هذه المناطق.

إن استمرار الدولة المصرية في عسكرة المناطق الحدودية وتجريم كل من يحاول عبورها دون تصريح، بما في ذلك اللاجئون والمهاجرون الفارّون من النزاعات، لا يعكس فقط نهجًا أمنيًّا متشددًا، بل يكشف عن سياسة ممنهجة لإقصاء الفئات الأكثر هشاشة وتركها لمصيرها في قلب الصحراء. هذا النهج، القائم على الردع بدل الحماية، والتقييد بدل التدخل الإنساني، لم يؤدِ إلى ضبط الوضع أو تنظيمه، بل ساهم في تفاقم الأزمة على الأرض.

وفي ظل الغياب شبه الكامل لفرق الإنقاذ، تحوّلت المناطق الصحراوية الحدودية إلى مساحات موت مفتوحة، يفقد فيها الأشخاص المتنقلون حياتهم عطشًا، أو ضياعًا، أو تحت وطأة موجات الحر الحارقة. ولا تقتصر هذه المآسي على غير المصريين فقط؛ فقد وثّقت السنوات الأخيرة حالات وفاة لمواطنين مصريين ضلّوا طريقهم أو تعطلت بهم مركباتهم في المناطق المتاخمة للحدود، دون أن تصل إليهم أي مساعدة.

هذه الوقائع ليست استثنائية ولا مفاجئة، بل هي نتيجة مباشرة لتخلي الدولة عن أبسط واجباتها القانونية والإنسانية. فغياب الإنقاذ ليس مجرد تقصير إداري، بل خرق واضح لالتزامات مصر بموجب القانون الدولي، وعلى رأسها المادة (6) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تنص على أن “الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان“، وكذلك اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، التي تلزم الدول بتوفير الحماية والمساعدة دون تمييز.

إن تجاهل الدولة لحقيقة النزوح القسري المتزايد عبر أراضيها، ورفضها الاعتراف بواقع الهجرة في سياق النزاعات والتغير المناخي، لا يؤدي إلا إلى تعميق الكارثة الإنسانية. وإذا لم يُكسر هذا النمط من الإهمال الممنهج والتخلي المتعمد، فإن أعداد الضحايا ستواصل الارتفاع، وستبقى الصحراء شاهدًا صامتًا على فشل الدولة في حماية من لجأوا إلى أرضها.

وعليه، تطالب منصة اللاجئين في مصر

  • إنشاء آلية وطنية للاستجابة الطارئة والإنقاذ الصحراوي:

تأسيس فرق مدنية متخصصة للبحث والإنقاذ في المناطق الحدودية الجنوبية والغربية، تعمل بشكل دائم وبالتنسيق مع المنظمات الإنسانية المحلية والدولية. يجب تزويد هذه الفرق بالمياه والإسعافات الأولية ووسائل الاتصال، مع إنشاء نقاط استقبال طارئة مجهّزة بظلال وأغذية ووسائل نقل آمنة للفئات الأشد ضعفًا، خاصة الأطفال والنساء وكبار السن.

  • تمكين الوصول الإنساني إلى المناطق الحدودية:

تعديل القيود الأمنية والتشريعات القائمة بما يضمن السماح الفوري للمنظمات الإنسانية وفرق الإغاثة بالدخول إلى المناطق الحدودية عند الضرورة، بما يتماشى مع التزامات مصر بموجب القانون الدولي، وخاصة اتفاقيات حقوق الإنسان وحماية اللاجئين.

  • التحقيق في الوفيات ومساءلة المسؤولين:

فتح تحقيقات مستقلة وشفافة في جميع حالات الوفاة على الحدود، ونشر نتائجها، وضمان تسليم جثامين الضحايا لذويهم بسرعة واحترام كرامتهم الإنسانية. 

  • إنشاء هيئة تنسيقية مستقلة لحماية الأرواح على الحدود:

تأسيس هيئة وطنية مستقلة للإشراف على عمليات البحث والإنقاذ وحماية اللاجئين، تضم ممثلين عن الوزارات المعنية والمنظمات الدولية والمجتمع المدني، وتعمل وفق معايير التنسيق الدولية (مثل الدليل الدولي لعمليات البحث والإنقاذ IAMSAR).

  • الامتثال للاتفاقيات الدولية ذات الصلة:

التزام مصر الكامل باتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين وبروتوكولها لعام 1967، والاتفاقية الدولية لسلامة الأرواح في البحار (SOLAS)، واتفاقية البحث والإنقاذ البحري لعام 1979 (SAR)، وتطبيق معايير الحماية الإنسانية في جميع الإجراءات الحدودية والتوقف عن تجريم الناجين من حوادث السيارات في المناطق الحدودية من ملتمسي/ات اللجوء، وتوفير نقاط تسجيل حدودية تمكن اللاجئين من طلب اللجوء فور الوصول بما يضمن توفير حماية حقيقية.

نداء أخير:
إن حماية الأرواح مسؤولية لا تحتمل التأجيل أو التفاوض. تجاهل الإنذارات المتكررة المرتبطة بموجات الحر، وغياب أي استعدادات لإنقاذ اللاجئين والمهاجرين العالقين في الصحراء، يُعد تفريطًا في أبسط الحقوق الإنسانية.

نُحمّل الدولة المصرية كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن كل روح تُزهق نتيجة لهذا التقاعس.

وأي تأخير إضافي في تنفيذ هذه الإجراءات سيُعد إخلالًا جسيمًا بالحق في الحياة، وتهرّبًا فعليًّا من المسؤولية الدولية والإنسانية.

منصة اللاجئين في مصر

 

Edition Scan this QR code to read on your mobile device QR Code for الحماية والإنقاذ بدلًا من العسكرة.. غياب البحث والإنقاذ على الحدود البرية المصرية يفاقم مأساة الأشخاص المتنقلين والمجتمعات المحلية.. على الدولة المصرية أن تتحمل التزاماتها الدولية 
Facebook
Twitter
LinkedIn