نفَّذت الحكومة الإيطالية أول عملية ترحيل مباشرة من مركز الاحتجاز في جادر بألبانيا، في 9 مايو/أيار 2025، إذ نُقل خمسة أشخاص مصريين إلى القاهرة عبر طائرة توقفت في العاصمة الألبانية “تيرانا”. في خطوة غير مسبوقة.
تُشير وثائق رسمية إلى أن وزارة الداخلية الإيطالية طرحت مناقصة في 28 إبريل/نيسان لاستئجار طائرة لترحيل أجانب غير نظاميين، مع اشتراط التوقف في تيرانا. وفي 8 مايو، وُقّع عقد بقيمة 113,850 يورو مع شركة خاصة، ونُفذت الرحلة في اليوم التالي. وبحسب موقع Altreconomia، فقد تمّ تسجيل خمس عمليات عبور من جادر لمواطنين مصريين خلال الفترة من 11 إبريل إلى 21 مايو، وهم من كانوا على متن تلك الرحلة.
تأتي هذه الواقعة في سياق السياسات الجديدة التي يتبناها الاتحاد الأوروبي وبعض دوله، والتي تُصنّف دولًا من خارج الاتحاد -مثل ألبانيا- أنها “دول آمنة”. واليوم، تقترح المفوضية الأوروبية توسيع هذه القائمة لتشمل عشر دول إضافية، من بينها مصر، في تجاهل تام لسجلات هذه الدول الحقوقية، والانتهاكات المستمر بحق اللاجئين والمواطنين على حد سواء.
سبق أن حذّرت “منصة اللاجئين في مصر” ومعها العديد من المنظمات الحقوقية من خطورة هذه السياسات، التي تفتح الباب أمام نقل طالبي اللجوء إلى دول لا تضمن الحد الأدنى من الحماية، وتُعرّضهم لمخاطر جسيمة، سواء من حيث سلامتهم الجسدية أو حريتهم الشخصية.
ما نشهده اليوم ليس مجرد حالة ترحيل فردية، بل انتهاك مضاعف يتم خارج أي إطار شفاف أو علني. لم تُفصح السلطات الإيطالية عن أسماء المرحّلين أو أعمارهم، ولا توجد أي معلومات حتى الآن عن مصيرهم بعد وصولهم إلى مصر. هذا التعتيم المتعمد يفاقم القلق بشأن مصيرهم، خصوصًا في ظل سجل الحكومة المصرية الحافل بانتهاكات حقوق الإنسان، بما يشمل الاعتقال التعسفي وسوء المعاملة والمحاكمات غير العادلة بما فيها المحاكمات العسكرية لمدنيين، خاصة بحق العائدين من محاولات الهجرة.
ونشير أيضًا إلى أن من بين أسباب هذه المحاكمات تواجدهم في مناطق حدودية، استنادا إلى قرار رئيس الجمهورية 444 لسنة 2014 المتعلق بتحديد المناطق الحدودية والمتاخمة لها كمناطق عسكرية، والمحدِّد للقواعد المنظِّمة لهذه المناطق، إذ يمنع أي تواجد فيها إلا بتصريح الأجهزة الأمنية العسكرية المصرية، ما يعني أن تواجد المنظمات في هذه المناطق -بما يشمل المعابر الحدودية- يستلزم طلب تصريح أمني من جهات أمنية وعسكرية مختلفة بما في ذلك (الأمن الوطني التابع لوزارة الداخلية، والمخابرات الحربية التابعة لوزارة الدفاع المصرية)، ومخالفة ذلك تتسبب في محاكمات عسكرية.
رغم أن الدستور والقانون المصري ينصَّان بوضوح على عدم تجريم فعل الهجرة، وعلى أن المهاجرين المهربين لا يُحاسبون جنائيًّا على عبورهم، فإن الواقع العملي مختلف تمامًا: إذ يتم توقيف العائدين، واحتجازهم، وإدماجهم في قضايا ملفقة، غالبًا باستخدام تهم تتعلق بـ”الهجرة غير النظامية”، وهو ما وثّقناه مرارًا.
إننا نحمل السلطات الإيطالية المسؤولية المباشرة عن هذه الانتهاكات، ونطالب بوقف جميع أشكال الترحيل إلى مصر، وبمراجعة جذرية لسياسات “الدول الآمنة”، التي ثبت أنها تُستخدم لتسهيل الإعادة القسرية وليس لضمان الحماية.
كما تطالب “منصة اللاجئين في مصر” الحكومة المصرية بالكشف الفوري عن مصير هؤلاء المرحّلين، والإفصاح عمّا إذا كانوا محتجزين أو تم التحقيق معهم والإفراج عنهم، وتحمّلها مسؤولياتها تجاه سلامتهم وحقوقهم.
تُعيد المنصة تأكيد أن مصر ليست بلدًا آمنًا لإعادة اللاجئين، في ظل المحاكمات العسكرية، وممارسات التعذيب، والانتهاكات الجسيمة لمبدأ عدم الإعادة القسرية، المنصوص عليه في القانون الدولي. وقد وثّقنا في الأسابيع الأخيرة حالات أعيدت فيها محاكمة لاجئين مُرحّلين من إيطاليا، وتعرضوا للتدوير في قضايا جديدة ثلاث مرات.
ما تقوم به الحكومة الإيطالية من عمليات ترحيل غير قانونية، بشكل سري، هو خرق صارخ للقانون الأوروبي والدولي، ويجعلها شريكًا مباشرًا في تغذية سياسات القمع العابرة للحدود، ويُعرّض حياة الأفراد المُرحّلين لخطر حقيقي لا يمكن التهاون معه.
Skip to content