“خمسون يومًا من محاولة النجاة”
“قالوا المتغطي بكارت المفوضية عريان للأسف الشديد”
منصة اللاجئين في مصر تنشر جزءًا من شهادة القاص والروائي السوداني إدريس علي بابكر، بعد ترحيله قسرًا إلى السودان بعد 50 يوما من الاحتجاز
تعريف بالشاهد:
إدريس علي بابكر هو قاصٌّ وروائيٌّ سوداني يكتب غالبًا من منطقة تتقاطع فيها الذاكرة والهوية والحنين، مع حضور واضح لتجربة النوبة والمنفى والاقتلاع الاجتماعي. وتبدو أعماله القصصية والروائية مهتمة بتفاصيل المكان الأول، والتحولات القاسية التي تصيب الإنسان حين يفقد بيته أو لغته أو استقراره.
أبرز الأعمال
- عبق البيت القديم: مجموعة قصصية حديثة تستدعي الحنين والبيوت الأولى والزمن الماضي.
- عرقي غير مغشوش: (قصة قصيرة): تتناول آثار الحرب والنزوح وتجربة الفقد والمعاناة الإنسانية في سياق سوداني.
- له نصوص أخرى منشورة عبر منصات أدبية رقمية مثل “الأنطولوجيا”.
بينما كان الروائي والقاص السوداني إدريس علي بابكر يرسم في مجموعته عبق البيت القديم ملامح الهوية السودانية، ويمنح في كتاباته للحزن أجنحة تتجاوز الانكسار، لم يكن يعلم أن رحلة بحثه عن الأمان في بلد الجوار، مصر، ستنتهي خلف قضبان الاحتجاز، وبمنفى جديد يبدد شمل أسرته، حاورته “منصة اللاجئين في مصر” لتسجيل شهادته.
بدأت الواقعة بتوقيف الكاتب في منطقة المرج شرقي القاهرة أواخر فبراير/شباط 2026، ضمن حملات استهدفت عددًا من ملتمسي اللجوء، رغم كونه -بحسب الإفادات- يحمل وضعًا قانونيًّا بصفته طالبَ حماية دولية ومسجلًا لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
“أحب أن أوضح أن ما تقوم به السلطات المصرية لا يمس الشعب المصري الشقيق، ربنا يديم المحبة بين الأشقاء، برغم أنف البراميل الفارغة التي تصدر ضجيجًا بلا فائدة” بهذه الكلمات يبدأ القاص والروائي إدريس بابكر شهادته.
يكمل “وصلت إلى مصر بداية عام 2025 هربًا من جحيمِ الحرب، سجَّلتُ مع أسرتي الصغيرة طلبات لجوء لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر، وحصلنا على بطاقات تسجيل صفراء”، ويتابع قائلا “تم توقيفي في منطقة المرج، ثم ترحيلي إلى سجن الخانكة، حيث قضيت هناك شهرًا كاملًا، وكان معظم المحتجزين معي سودانيين، ثم نُقِلْتُ بعدها إلى سجن بنها حيث احتجزت هناك عشرين يوما”.
يكمل شهادته قائلا “عُرضنا على النيابة باعتبارنا متهمين بعدم حيازة وثائق. رغم أن معظم المحتجزين كانوا من المسجلين لدى مفوضية اللاجئين! وكانت القسوة الأشد الواقعة علينا من السفارة السودانية التي حصلت على أقوالنا ونحن مقيدين داخل عربة الشرطة في الشارع، وأخبرنا الموظف أن من يحمل بطاقة المفوضية وإقامة ليس لنا علاقة به وغير مسؤولين عنه، لتتم إعادتنا مرة أخرى إلى مقر الاحتجاز”.
عن ظروف الاحتجاز القاسية وغير الإنسانية يقول “في سجن الخانكة كنا ثلاثين شخصًا في زنزانة مساحتها أربعة أمتار في أربعة أمتار، مع حمام داخلي. كنا نشرب المياه من الحنفية الوحيدة به. وفي سجن بنها كنا سبعين سجينًا في غرفة عشرة أمتار في خمسة أمتار مع حمام داخلي”.
عن المعاملة القاسية التي واجهها هو والمحتجزون الآخرون، يقول بابكر “تعرضنا لتجويعٍ متعمَّد، كان يسمح لنا في اليوم بوجبة واحدة فقط، بينما كانت عائلاتُنا تتعرض لابتزاز مالي من حراس السجن وأفراد الشرطة لإدخال الطعام لنا، كنا بشكل أو بآخر ندفع ثمن احتجازهم لنا، أمرونا بتوقيع مستندات غضبا عنا وبالتهديد ودون أن نعلم ما المدون بداخلها”.
“تجربة كانت قاسية جدًّا، لكن الحمد لله خرجت منها حيًّا بقصص كثيرة ورواية طويلة، لو كنت خارج السجن لما رأيت تلك الصور القبيحة ولما عرفت عنها”.
“أنا الآن في السودان بينما أسرتي الصغيرة في القاهرة، أبعدوني غصبًا عني!”.
تأتي واقعة احتجاز وترحيل الروائي إدريس علي بابكر في وقتٍ تشهد فيه الساحة المصرية تصاعدًا غير مسبوق في الحملات الأمنية المستهدِفة للمهاجرين واللاجئين، ولاسيما السودانيين منهم. فمنذ أواخر عام 2025 وبدايات عام 2026، تجاوزت الإجراءات المتخَذَة طابعها المتفرّق أو العَرَضي، لتبلور نمطًا ممنهجًا من الإبعاد القسري المقنّع، الذي استهدف المجتمعات السودانية في عدد من المحافظات المصرية بشكل خاص. فقد انتقلت السلطات من سياسة “الاستيعاب” إلى نهج “التضييق الأمني المشدد”، فشنت الأجهزة الأمنية حملات مداهمة واسعة في مناطق تمركز السودانيين.
وتشير التقارير الحقوقية إلى ممارسات متكررة رافقت هذا النمط، كان أبرزها: مصادرة وثائق الحماية، بما في ذلك بطاقات المفوضية عند احتجاز اللاجئين وطالبي اللجوء، الأمر الذي جرّد العديد منهم، عمليًّا، من صفتهم القانونية، وأتاح تمرير قرارات الإبعاد والترحيل خارج أي إطار فعّال للحماية الدولية أو ضمانات عدم الإعادة القسرية.
كما اتسعت رقعة التوقيفات من نقاط الحدود وطرق العبور وصولًا إلى داخل المدن، عبر كمائن ثابتة ومتحركة في الشوارع ومحطات النقل والأحياء السكنية وأماكن العمل، الأمر الذي خلق مناخًا من الخوف الدائم وقيّد حركة اللاجئين والمهاجرين في تفاصيل حياتهم اليومية، ليصبح اللاجئ -كما وصفه بابكر- “عاريًا” أمام آلة الترحيل رغم امتلاكه وثائق أممية.
Skip to content