تابعت وتتابع منصة اللاجئين في مصر ببالغ القلق والأسف التدهور الحاد في أوضاع الفارين/ات من جحيم الحرب في السودان، الذين واجهوا/ن مآسي مروعة منذ اندلاع النزاع المسلح. وبدلًا من تلقي الحماية والإيواء وفقًا للمواثيق الدولية، بات الآلاف منهم/ن عرضة لسياسات الترحيل القسري والاحتجاز التعسفي في عدة دول، وعلى رأسها جمهورية مصر العربية، ودولة ليبيا، والجمهورية التونسية، إلى جانب ممارسات الصد العنيف على الحدود الأوروبية، التي تشكل جمهورية اليونان نموذجًا صارخًا لها.
إن إجبار السودانيين/ات على العودة إلى بلاد تصنف حاليًّا منطقة نزاع مسلح سواء بالترحيل القسري أو المنع والتجريم، يمثل انتهاكًا صارخًا لمبدأ “عدم الرد القسري” (Non-refoulement)، وهو حجر الزاوية في القانون الدولي للاجئين/ات والقانون الدولي لحقوق الإنسان، الذي يحظر تمامًا رد أي شخص إلى بلد قد يتعرض فيه للتعذيب، أو المعاملة القاسية، أو التهديد المباشر لحياته.
خلال الأشهر الماضية، تابعنا بقلق عميق تزايد حملات التوقيف والاحتجاز لطالبي اللجوء السودانيين/ات، وترحيل الآلاف منهم/ن قسريًّا عبر الحدود الجنوبية دون منحهم/ن الفرصة العادلة للوصول إلى مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين للتسجيل، ما يحرمهم/ن من الحماية القانونية ويضع حياتهم/ن في خطر حتمي. وقد وثقت “منصة اللاجئين في مصر” هذه الانتهاكات، على مر الأشهر الماضية، التي وصلت إلى 12 حالة وفاة في أثناء الاحتجاز قبل الترحيل القسري لمواطنين سودانيين منذ بداية 2026. وكانت المنصة قد تابعت عن كثب ملفات وحالات عديدة للاجئين/ات سودانيين/ات، توضح في تفاصيلها مستوى الفجاجة في التعامل مع السودانيين في مصر.
في سياق متصل توجد أنماط مماثلة من الانتهاكات ضد اللاجئين/ات وطالبي/ات اللجوء السودانيين/ات في دول أخرى في شمال إفريقيا مثل ليبيا وتونس، ففي ليبيا توجد موجات ترحيل قسري بالمئات تجاه السودانيين/ات بنفس نمط الاعتقال والاحتجاز التعسفي الذي يعقبه ترحيل قسري. وكانت الحكومة الليبية قد بدأت ما أسمته برنامجًا وطنيًّا “لإعادة المهاجرين غير النظاميين إلى أوطانهم” منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025، ومن بعده اتُّخِذَتْ خطوات متسارعة لعمليات الإعادة والترحيل القسري بهدف منع “أي استقرار دائم” في ليبيا. ومن قبل صدور البرنامج الوطني كانت توجد حملات ترحيل قسري واسعة ضد اللاجئين/ات السودانيين/ات منذ يوليو 2025 حتى أن المديرية العامة لمكافحة الهجرة غير الشرعية الليبية أعلنت عبر صفحتها عن ترحيل 700 مهاجر/ة سوادني/ة في يوم واحد.
ولا يختلف الوضع كثيرًا في تونس، إذ أفادت تقارير حقوقية بأن عمليات الطرد الجماعي للسود أصبحت معتادة في تونس، حيث قامت السلطات التونسية بترحيل 11,500 لاجئ ومهاجر على الأقل إلى ليبيا والجزائر حتى نهاية 2025. وكانت وتيرة الترحيل القسري وما وُصف ب”الطرد الجماعي” تجاه المهاجرين/ات، قد تعالت بشكل ممنهج منذ 2023 بالتوازي مع ازدياد خطاب الكراهية والعنصرية تجاه المهاجرين واللاجئين من إفريقيا جنوب الصحراء.
وقد وصف بعض المدافعين عن حقوق الإنسان في تونس برامج العودة الطوعية الحالية بعمليات “الطرد المقنع” الناتج عن الإنتهاكات المستمرة والعنصرية التي جعلت العودة هي الحل الوحيد أمام المهاجرين، حتى أن العودة إلى ليبيا أصبحت أقل خطرًا بالنسبة لبعضهم عن البقاء في تونس.
وعلى الجانب الآخر من البحر المتوسط، مرر البرلمان اليوناني قرارًا بوقف النظر في طلبات اللجوء المقدمة ممَن وصلوا بحرًا من شمال إفريقيا لمدة ثلاثة أشهر من يوليو/تموز إلى أكتوبر/تشرين الأول 2025، وخلال هذه الفترة تم احتجاز كل من وصل إلى اليونان، وبعدها انتهاء المدة لم تَستثنِ السلطات سوى فئات قليلة من هذا الإجراء، ووفقًا لتعليمات غير منشورة سرية صادرة عن وزارة الهجرة واللجوء.
بالرغم من استثناء السودانيين/ت باعتبارهم “فئة مستضعفة”، تم نقلهم إلى مركز مالاكاسا مصحوبين بمذكرات إدارية تفيد بأنهم يعتزمون مغادرة البلاد في غضون 30 يومًا. في عام 2025 وحده قامت اليونان بدفع 6 آلاف مهاجر على الأقل إلى الخلف سواءً من البحر المتوسط أو نهر إيفروس على الحدود مع تركيا، إذ تم توثيق تعاون السلطات اليونانية مع مرتزقة لمنع وترهيب وضرب وسرقة المهاجرين على حدودها مع تركيا، بينما واصل خفر السواحل اليوناني دفع المراكب إلى وسط البحر أو تخريب القوارب وتعريض حياة من عليها للخطر عمدًا لمنعهم من الوصول إلى اليونان.
بناءً على ما تقدّم، وبمناسبة اليوم العالمي للاجئين، تطالب منصة اللاجئين في مصر بما يلي:
- الوقف الفوري والكامل لجميع عمليات الترحيل القسري والإبعاد والدفع للخلف (Pushbacks) بحق اللاجئين/ات وطالبي/ات اللجوء السودانيين/ات، واللاجئين/ات عموما في مصر وليبيا وتونس وعلى الحدود الأوروبية، التزامًا بمبدأ عدم الإعادة القسرية (Non-refoulement) باعتباره قاعدة آمرة وملزمة لا يجوز التحلل منها تحت أي ذريعة أمنية أو إدارية.
- الاعتراف بالسودان باعتباره منطقة نزاع مسلح نشط لا تجوز الإعادة إليها.
- الإفراج عن جميع المحتجزين/ات على خلفية وضع الهجرة واللجوء، ووقف الاحتجاز التعسفي وإخضاع أي احتجاز متصل بالهجرة لرقابة قضائية فعّالة وسقف زمني واضح، مع فتح تحقيق مستقل وشفّاف في الوفيات الموثَّقة في أثناء الاحتجاز والمحاسبة عليها.
- ضمان وصول جميع اللاجئين/ات، ولا سيما السودانيين/ات إلى إجراءات لجوء فردية وعادلة، بما يشمل حق التسجيل لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أو الجهة القانونية المسؤولة عن التسجيل في البلد المستضيف، والمشورة القانونية، والطعن الفعّال على أي قرار إبعاد قبل تنفيذه وبأثر فوري، ووقف استخدام برامج “العودة الطوعية” غطاءً للطرد قسري مُقنَّع.
- تمكين المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمات الحقوقية المستقلة من الوصول الكامل وغير المشروط إلى أماكن الاحتجاز ونقاط الترحيل، والكفّ عن إصدار التعليمات السرية غير المنشورة التي تُحرَم بموجبها فئات بعينها من الحماية.
- التصدّي لخطاب الكراهية والعنصرية والتجريم الممنهج تجاه المهاجرين/ات واللاجئين/ات، ووقف ربط سياسات الهجرة بالمقاربات الأمنية وصفقات التعهيد الخارجي التي تحوّل البشر إلى أداة تفاوض على حساب حقوقهم/ن وكرامتهم/ن.
Skip to content