ثلاث سنوات من “العدالة لضحايا بيلوس وجبر الضرر لذويهم”

ثلاث سنوات من "العدالة لضحايا بيلوس وجبر الضرر لذويهم"

تتابع “منصة اللاجئين في مصر”، التطورات القضائية والحقوقية المتعلقة بكارثة غرق مركب الصيد “أدريانا” قبالة سواحل بيلوس اليونانية في 14 يونيو/حزيران 2023، وهي الكارثة التي مر عليها اليوم ثلاث سنوات. أودت بحياة مئات المهاجرين وطالبي اللجوء، بينهم عدد كبير من المصريين، في واحدة من أكثر المآسي البحرية فتكًا في البحر المتوسط خلال العقود الأخيرة.

ومنذ الساعات الأولى للكارثة، كان واضحًا أن القضية لا تتعلق بحادث غرق عرضي أو بفشل تقني معزول، بل بوقائع تثير شبهات جسيمة بشأن التقاعس عن الإنقاذ، وسوء إدارة الاستجابة البحرية، وترهيب المهاجرين خلال عملية سحبهم من قبل خفر السواحل اليوناني، ومحاولة تحميل بعض الناجين أنفسهم مسؤولية الجريمة، بينما كانت مؤشرات المسؤولية المؤسسية لخفر السواحل اليوناني تتكشف تباعًا عبر شهادات الناجين، والتحقيقات الصحفية، والتقارير الحقوقية، ثم عبر التحقيقات الرسمية اللاحقة.

لقد انقلبت السفينة “أدريانا” في الساعات الأولى من صباح 14 يونيو/حزيران 2023، بعد رحلة انطلقت من ليبيا وعلى متنها ما يقارب 750 شخصًا، غالبيتهم من مصر وسوريا وباكستان، ولم ينجُ من الكارثة سوى 104 أشخاص، فيما انتُشلت 82 جثة فقط، بينما يُعتقد أن أكثر من 600 شخص فُقدوا في البحر.

وتشير الأدلة المتراكمة إلى أن السلطات اليونانية كانت على علم مبكر بوجود المركب وحالته الخطرة، ومع ذلك تأخرت في تفعيل عملية بحث وإنقاذ ملائمة، رغم أن الحادث وقع داخل منطقة البحث والإنقاذ اليونانية، بما يرتب على اليونان مسؤوليات قانونية واضحة بموجب القانون الدولي للبحار والاتفاقيات الدولية الخاصة بالبحث والإنقاذ البحري.

الأدلة المتزايدة على مسؤولية خفر السواحل اليوناني

خلال الأشهر والسنوات التالية للكارثة، توالت الأدلة التي تنسف الرواية الرسمية اليونانية التي ادّعت أن ركاب السفينة لم يطلبوا النجدة وأنهم أصروا على مواصلة الإبحار نحو إيطاليا. فقد وثقت تقارير حقوقية وصحفية عديدة شهادات ناجين أكدوا فيها أنهم طلبوا المساعدة مرارًا، وأن السلطات اليونانية كانت على علم بأن السفينة في وضع خطر، بل إن بعض الشهادات نسبت مباشرة إلى خفر السواحل عملية ربط حبل بالسفينة أو محاولة سحبها قبل انقلابها.

وفي هذا السياق، تكتسب نتائج التحقيقات الرسمية المستقلة أهمية خاصة. فقد خلص تقرير أمين المظالم اليوناني الصادر في فبراير/شباط 2025 إلى وجود إخفاقات خطيرة ومتكررة في عمليات البحث والإنقاذ، وحمّل ثمانية من كبار ضباط خفر السواحل مسؤولية واضحة، مع الإشارة إلى عراقيل خطيرة واجهت التحقيق، من بينها غياب تسجيلات اتصالات مطلوبة قانونًا، وعدم إتاحة هاتف قائد القطعة البحرية للتحقيق، وتعطل كاميرات السفينة وقت الحادث وفق ما ذكرته السلطات.

كما خلص تقرير مكتب حقوق الإنسان في فرونتكس، الصادر في يناير/كانون الثاني 2024، إلى أن خفر السواحل اليوناني أخّر الإعلان عن عملية البحث والإنقاذ حتى لحظة الغرق، ونشر موارد غير كافية وغير ملائمة بالنظر إلى عدد الأشخاص الذين كانوا على متن “أدريانا”. وتؤكد هذه الاستنتاجات أن المسألة لا تتعلق بخطأ تقديري بسيط، بل بإخفاق بنيوي في تقييم الخطر والاستجابة له، وبقرارات عملياتية قد تكون ساهمت مباشرة في تفاقم الكارثة وفقدان مئات الأرواح.

من تجريم الناجين إلى بدء مساءلة الضباط

في أعقاب الكارثة مباشرة، اعتقلت السلطات اليونانية تسعة ناجين مصريين ووجّهت إليهم اتهامات شديدة الخطورة، شملت تهريب البشر، والتسبب في غرق السفينة، والانتماء إلى منظمة إجرامية، في خطوة مثّلت منذ بدايتها نموذجًا فادحًا لتجريم الضحايا والناجين بدل حمايتهم والاستماع إليهم بوصفهم شهودًا على كارثة جماعية. وقد استند هذا المسار إلى محاضر وشهادات أولية أُخذت في ظروف شديدة الهشاشة، بينما كان كثير من الناجين في حالة صدمة نفسية وجسدية، وفي ظل شبهات قوية بأن الجهة التي جمعت بعض تلك الأقوال هي نفسها الجهة التي أصبحت لاحقًا موضع اتهام بالتقصير والإهمال.

أسقطت محكمة الجنايات الاستئنافية الثلاثية في كالاماتا، في 21 مايو/أيار 2024، جميع التهم عن التسعة المقبوض عليهم في قضية بيلوس، وقضت بعدم اختصاص الدولة اليونانية بمحاكمتهم في التهم المتعلقة بالمنظمة الإجرامية والتسبب في الغرق، لأن الوقائع التي أدت إلى غرق “أدريانا” حدثت في المياه الدولية. كما أسقطت المحكمة أيضًا تهم “التهريب والدخول غير القانوني إلى الأراضي الوطنية” بعدما خلصت إلى أن ركاب “أدريانا” لم يدخلوا الأراضي اليونانية أصلًا، ولم تكن لديهم نية الدخول إليها.

يمثل هذا الحكم تصحيحًا مهمًّا، ولو متأخرًا، لمسار قضائي قام على افتراضات جائرة بحق الناجين المصريين. لكنه لا يمحو الضرر الجسيم الذي لحق بهم نتيجة الحبس الاحتياطي المطول، ولا يلغي حقيقة أن الدولة اليونانية أبقتهم رهن الاحتجاز الإداري بعد الحكم، رغم أن المحكمة برّأتهم من جميع التهم.

ووفق المصادر الحقوقية المتاحة، ظل ثمانية منهم محتجزين بانتظار مقابلات اللجوء، فيما نُقل الناجي التاسع، وهو شاب في العشرين من العمر، إلى مركز بيترو رالي مع تهديده بالترحيل إلى مصر بعد رفض طلب لجوئه مرتين.

كشف استمرار احتجاز الناجين بعد البراءة بوضوح أن منطق الردع والعقاب لا يزال يحكم سياسات الهجرة واللجوء على نحو يتجاوز القضاء الجنائي ذاته، ويحوّل الاحتجاز الإداري إلى أداة لمعاقبة الشهود والناجين بدل توفير الرعاية والدعم النفسي والقانوني لهم، وهو الأمر الذي وُثِّق مع مئات من المصريين الذين جرى توقيفهم في اليونان في قضايا مشابهة.

التطورات القضائية الأخيرة في اليونان

بعد فترة طويلة من الإفلات من المحاسبة، بدأت ملامح مساءلة جنائية تتشكل ضد خفر السواحل اليوناني. ففي مايو/أيار 2025، أُحيل 17 عضوًا من خفر السواحل اليوناني إلى التحقيق الجنائي في جرائم شملت التسبب في غرق سفينة أودى بحياة ما لا يقل عن 82 شخصًا، والإخلال الخطير بأمن الملاحة البحرية بما أسفر عن وفيات، والتقصير في أداء الواجب القانوني بإنقاذ الأشخاص المعرضين للخطر في البحر.

ثم شهد نوفمبر/تشرين الثاني 2025 تطورًا بالغ الأهمية، حين وسّع النائب العام لمحكمة الاستئناف اليونانية نطاق الملاحقة القضائية لتشمل أربعة ضباط كبار إضافيين، من بينهم القائد الحالي لخفر السواحل تريفوناس كونتيزاس، ليرتفع بذلك العدد الإجمالي للضباط الملاحقين إلى 21 ضابطًا. ويمثل هذا التوسع القضائي اعترافًا مهمًّا بأن المسؤولية المحتملة لا تقتصر على المستوى التنفيذي المباشر في موقع الحادث، بل قد تمتد إلى مستويات القيادة والإشراف وصنع القرار داخل جهاز خفر السواحل نفسه.

ومع ذلك، فإن هذه التطورات، على أهميتها، لا تعني أن العدالة قد تحققت. فحتى الآن لا توجد محاكمة نهائية كشفت على الملأ تسلسل الوقائع والأوامر والاتصالات والقرارات التي اتُخذت منذ رصد المركب وحتى غرقه. كما لا يزال الحق في الحقيقة بالنسبة للناجين وأسر الضحايا منقوصًا، ما دامت الوقائع الكاملة لم تُعرض في إطار قضائي علني شامل.

مسؤوليات الحكومة المصرية

تؤكد “منصة اللاجئين في مصر” أن المسؤولية عن تحقيق العدالة لضحايا بيلوس لا تقع على السلطات اليونانية وحدها. فالحكومة المصرية تتحمل بدورها التزامات مباشرة تجاه الضحايا المصريين وذويهم، سواء من حيث المتابعة القنصلية الفعالة، أو الحق في معرفة الحقيقة، أو تقديم الدعم القانوني والنفسي، أو تفعيل آليات جبر الضرر والتعويض، مثل دعم صندوق حماية الضحايا والمبلغين والشهود ودور المجالس القومية في دعم العائلات على اختلاف أدوارها.

وعلى الرغم من إجراء السلطات المصرية تحقيقات بشأن الحادث تؤكد براءة المصريين الذين جرى توقيفهم، فقد كشفت تقارير سابقة عن تأخر الاستجابة الرسمية المصرية بعد الكارثة، وعن غياب الشفافية بشأن نتائج فحوصات الحمض النووي، وعدم الإعلان عن نتائج ملموسة تخص تحديد هويات الضحايا أو وضع آلية واضحة لتعويض الأسر المتضررة. كما لم يتضح، حتى الآن، على نحو كافٍ، مدى ما قدمته السلطات المصرية من دعم منظم للناجين المصريين الذين وُجهت إليهم الاتهامات في اليونان، أو لأسر الضحايا والمفقودين الذين تُرك كثير منهم يواجهون هذه الفاجعة دون إسناد قانوني ومؤسسي مناسب.

إن الحق في جبر الضرر لا يقتصر على التعويض المالي، بل يشمل أيضًا الحق في الحقيقة، والاعتراف الرسمي بالانتهاك، والوصول إلى المعلومات، والدعم النفسي والاجتماعي، وضمانات عدم التكرار. ولذلك، فإن أي استجابة مصرية جادة يجب أن تتضمن إعلانًا شفافًا عن نتائج تحليل الحمض النووي، وتحديد أعداد الضحايا المصريين الذين تم التعرف عليهم، وأيضًا المصريين الذين كانوا على متن المركب وأصبحوا في عداد المفقودين، وتوفير مسارات واضحة لمساندة الأسر في الإجراءات القضائية والإدارية ذات الصلة داخل اليونان وخارجها.

مسؤولية أوروبية أوسع

لا يمكن فصل كارثة بيلوس عن البنية الأوسع لسياسات الهجرة والحدود في الاتحاد الأوروبي. فقد أظهرت الوقائع المتعلقة بعروض فرونتكس المتكررة للمساعدة، وعدم تلقيها استجابة مناسبة، أنه يوجد قصور مؤسسيٌّ يتجاوز السلطات اليونانية وحدها، ويتصل بكيفية إدارة الحدود البحرية الجنوبية للاتحاد الأوروبي، وكيفية تغليب منطق الردع والاحتواء على منطق الإنقاذ وحماية الحياة.

كما أن استمرار العنف الحدودي المميت في البحر المتوسط، بما في ذلك حوادث وفاة وفقدان لاحقة على الحدود البحرية اليونانية، يؤكد أن بيلوس لم تكن حادثة استثنائية معزولة، بل جريمة حدّية وقعت في سياق أوسع من السياسات التي تجعل الموت في البحر نتيجة متكررة ومتوقعة. وبالتالي، فإن العدالة في بيلوس يجب أن تُفهم أيضًا باعتبارها اختبارًا لمصداقية التزامات أوروبا القانونية والإنسانية في البحر المتوسط.

المطالب العاجلة

بناءً على ما تقدم، تطالب منصة اللاجئين في مصر بما يلي:

  • فتح مسار قضائي علني وفعّال في اليونان يكفل المساءلة الكاملة عن كارثة بيلوس، ويضمن محاسبة جميع المسؤولين، المباشرين وغير المباشرين، عن التقاعس عن الإنقاذ أو التسبب في الغرق أو طمس الأدلة أو تعطيل التحقيق.
  • وقف أي إجراءات من قِبَل السلطات اليونانية من شأنها تعريض الناجين التسعة من الترحيل أو الإعادة القسرية، مع توفير حماية قانونية ونفسية متخصصة لهم بوصفهم ناجين وشهودًا رئيسيين في القضية.
  • إعلان الحكومة المصرية، على نحو عاجل وشفاف، نتائج فحوصات الحمض النووي، وكشف ما توصلت إليه بشأن الضحايا والمفقودين المصريين وعدد البلاغات المرتبطة، وتفعيل آليات فعالة لجبر الضرر تشمل التعويض والدعم النفسي والاجتماعي والقانوني لأسر الضحايا والناجين، بما يشمل تفعيل عمل صندوق حماية الضحايا والمبلغين والشهود، والمجالس القومية المتخصصة.
  • تمكين أسر الضحايا والناجين ومن يمثلهم قانونًا من الوصول إلى المعلومات والملفات والإجراءات ذات الصلة بالقضية، وضمان مشاركتهم الفعلية في مسارات العدالة والمساءلة.
  • إجراء مراجعة مستقلة وشاملة لسياسات البحث والإنقاذ والاعتراض الحدودي في اليونان والاتحاد الأوروبي، وضمان أن تكون حماية الحياة في البحر التزامًا قانونيًّا غير قابل للتفاوض أو التعطيل السياسي.
  • وقف استخدام قوانين مكافحة التهريب لتجريم الناجين والمهاجرين وطالبي اللجوء، حين تُستخدم هذه القوانين لتبرير الفشل الرسمي في الإنقاذ أو لصرف الانتباه عن مسؤولية السلطات.

كلمة أخيرة

إن قضية بيلوس لم تعد مجرد ملف قضائي يخص سفينة غرقت في عرض البحر، بل أصبحت عنوانًا مركزيًّا للصراع بين منطق حماية الحدود ومنطق حماية الإنسان. وكل تأخير في كشف الحقيقة، أو في محاسبة المسؤولين، أو في إنصاف أسر الضحايا، لا يعني سوى ترسيخ الإفلات من العقاب وإبقاء البحر المتوسط فضاءً مفتوحًا للموت المنظَّم على الحدود.

وتؤكد “منصة اللاجئين في مصر” أن العدالة لضحايا بيلوس تبدأ بالاعتراف بأن من فقدوا حياتهم لم يكونوا أرقامًا عابرة في سجل الهجرة، بل أشخاصًا لهم أسماء وأسر وحقوق. كما تبدأ بوقف معاقبة الناجين، وبإلزام الدول المعنية -وفي مقدمتها اليونان ومصر، وضمنيًّا مؤسسات الاتحاد الأوروبي- بتحمل مسؤولياتها القانونية والإنسانية كاملة، وضمان الحق في الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر وعدم التكرار.

Edition Scan this QR code to read on your mobile device QR Code for ثلاث سنوات من “العدالة لضحايا بيلوس وجبر الضرر لذويهم”
Facebook
Twitter
LinkedIn